إذا ظهر من إنسان عمل أو قول كفري، فهل يجوز أن يحكم عليه بعينه أنه كافر ؟
الجواب:
مثل هذا السؤال طرح على شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان جوابه فيه صريحاً ومفصلاً. ولكن قبل أن ننقل فتوى ابن تيمية في هذا الموضوع نقول: أن هناك مقدمة لابد منها لإيضاح العلاقة بين الظاهر والباطن، فهل هما متلازمان مطلقاً، أو منتفيان مطلقاً، أم أن في الأمر تفصيلاً؟.
وفي الحقيقة أن هناك ثلاثة اتجاهات مشهورة في هذه المسألة:
الاتجاه الأول: وهو المعبر عن وجهة نظر المرجئة، وهو أنه لا تلازم بين الظاهر والباطن مطلقاً في هذا الشأن فقد يتلبس المرء بفعل من أفعال الكفر الأكبر عندهم، ومع ذلك يكون في الباطن مؤمناً كامل الإيمان، فلا سبيل عندهم إلى معرفة الكفر من كافر إلا إذا أعلن جحوده وأظهر بلسانه، أما مجرد العمل فلا يكفي في الدلالة عليه.
الاتجاه الثاني: وتعبر عنه الفرق المغالية في التكفير،وبعض الجماعات المعاصرة منها، إذ ترى التلازم المطلق بين الظاهر والباطن، فعندهم: كل من ظهر منه عمل من أعمال الكفر فإنه في باطنه كافر، ولو انتفى في حقه 99 العلم أو القصد.
الاتجاه الثالث: وهو المعتمد عند أهل السنة والجماعة، فهم يرون التلازم بين الظاهر والباطن لكن مع توفر شروط وانتفاء موانع، فلا يجعلون الحكم على مجرد العمل الظاهر دون اعتبار بقصد صاحبه، كما لا يربطون الأحكام على النية والقصد الباطن الذي لا سبيل للوقوف عليه. ولا بد مع العمل الظاهر من التحقيق من القصد والعلم ثم إن للعمل الظاهر مع القصد أحوالاً متعددة على ما يلي:
1-قد يكون العمل الظاهر غير دالٍ على القصد به أصلاً، وليس هو من أعمال الكفر الظاهر، مع أن القصد به مكفر. وذلك كأعمال المنافقين التي هي طاعات في الظاهر مع أنهم كفار في الباطن لفساد قصدهم بتلك الطاعات.ولكن هنا لا سبيل إلى معرفة بواطنهم فلهذا يحكم لهم بالإسلام على مقتضى الظاهر.
2-قد يكون العمل الظاهر كفراً ظاهراً، ولا يحتمل في القصد به غير الكفر الأكبر وذلك كسب الله أو رسوله أو دينه، فإن ذلك لا يمكن أن يصدر عن مؤمن يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
3-قد يكون العمل الظاهر محتملاً لأن يكون كفراً أو غير كفر، وذلك على حساب قصد الفاعل، ومثاله التعامل مع الأعداء الكفار، فقد يكون موالاة مخرجة عن الملة، وقد يكون إثماً ومعصية لا تخرج عن الملة، وذلك مثلما حدث من الصحابي حاطب بن أبي بلتعة في اتصاله بقريش يخبرها ببعض أمور المسلمين. وعمله هذا إذا صدر من إنسان فإنه يحتمل أن يكون معبراً عن اعتقاد فاسد مكفر، أو عن غفلة وتفريط، ولكن من أهل بدر، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لم يفعل ذلك سخطة لدينه ولا رضاً بالكفر فعفا عنه.
4-أن يقوم بالشخص المعين ما هو كفر قطعاً، لكن يمنع من تكفيره. 100
عوارض يعذر بها كالجهل، وفي هذه الحالة يفترق الحكم على الفعل عن الحكم على الفاعل، فقد يكون الفعل كفراً بالأدلة الشرعية على ذلك لكن لا تكون المؤاخذة عليه كمؤاخذة من يعلم، فهذا يتعلق بمن لم تبلغه الحجة الرسالية فيما يختص بالفعل الذي وقع منه. ومثال ذلك ما حصل من الرجل الذي أسرف على نفسه فأمر بنيه أن يحرقوا جسده إذا مات ويذروا رماده في البر والبحر، زعماً منه بأن الله تعالى لن يقدر على جمع مادة جسمه، فينجو بذلك من العذاب، وهو قد نفى عن الله تعالى بذلك كمال القدرة عن جهل بذلك، وفي الحديث أن الله تعالى غفر له بسبب ما دفعه إلى ذلك من شدة الخشية.
***
أما ابن تيمية رحمه الله، فقد سئل عن طائفة يدعون أن لهم شيخاً اسمه (قلندر) ويزعمون أنه كان موجوداً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الرسول يكلمه بلسان العجم، وهم طائفة من نساك الفرس الذين وقعوا في الضلالات والبدع التي منها مكفر ما حكمهم والحكم في تكفير أعيانهم.
فأجاب ابن تيمية بعد أن فصل القول في ضلالاتهم: «...فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه، وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه، كما في الحديث المعروف: » يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياماً 101 ولا حجاً ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، ويقولون: أدركنا آباؤنا وهم يقولون لا إله إلا الله « فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله ؟ فقال: تنجيهم من النار.
وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر، قولاً يُطلق كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه، مثل من قال: إن الخمر أو الربا حلال، لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهنا أثبت ابن تيمية رحمه الله أن من تلبس بأفعال الكفر يكفر إذا كان ذا علم وقصد، ثم التمس الأعذار لمن كان زمانهم أو مكانهم في ظروف فترة للحديث المذكور وفرق بين إطلاق الكفر على المجموع وإطلاقه على الفرد المعين منهم، فلذلك شروطه.
وقد ضبط ابن تيمية القاعدة في ذلك في موضع آخر من الفتاوى فقال: «إن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها» ثم عن الشروط والموانع التي قد تحول دون التكفير قال: «وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت لها شبهات يعذره الله بها، فمن 102 كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام» .
وفي وقتنا هذا، عرض على فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين السؤال التالي: هل يجوز أن نطلق الكفر على شخص بعينه ؟ فأجاب:«نعم، يجوز لنا أن نطلق الكفر على شخص بعينه أنه كافر،إذا تحققت فيه أسباب الكفر، فلو أننا رأينا رجلاً ينكر الرسالة أو رجلاً يبيح التحاكم إلى الطاغوت، أو رجلاً يبيح الحكم بغير ما أنزل الله ويقول إنه خير من حكم الله بعد أن تقوم الحجة عليه، فإننا نحكم عليه بأنه كافر، فإذا وجدت أسباب الكفر وتحققت الشروط وانتفت الموانع فإننا نكفر الشخص بعينه، ونلزمه بالرجوع إلى الإسلام أو القتل والله أعلم » 103