هل سأل دعاة الإصلاح أنفسهم: لماذا فرض النظام قانون الطوارئ، ولماذا يصر على أن يبقى هذا القانون مصلتاً كالمقصلة على عنق كل من يتحرك فوق تراب هذا الوطن المنكوب؟ الكل متفقون على أن هذا القانون كان أداة لتوطيد أسس النظام، والقيام بخطوات وأعمال ليست محل إجماع، بل ولا تحقق لها الأغلبية حتى تمر وتصبح أمراً واقعاً.
وبكلام أكثر وضوحاً وصراحة: وضع هذا القانون موضع التنفيذ من أجل إرساء سيطرة طائفة واحدة من طوائف الشعب (أو فئة محدودة من فئاته، حتى نهرب من كلمة طائفة وطوائف التي يمقتها هذا النظام الطائفي)!.
قد يقال: لكن لماذا يخاف النظام من إلغاء قانون الطوارئ؛ فقد صفا الجو وخلت الساحة للطائفة النصيرية، ولم تعد مهددة، وانتقلت من ضيق اللحود ومرتع الدود، إلى ما يشبه جنات الخلود.. فقد تركزت الثروة في أيدي ضباطها ورجالاتها، وأتخمت بما ابتلعت من رشاوى، وما ابتكرت من تجاوزات وقرصنة، وهي اليوم تملك كل عناصر القوة التي تجعلها لا تخشى أن تهمش بعد الآن، 28 ونحن لا نطالب إلا بحرية التنفس وحق المواطنة العادية..! فنقول: نعم، كل هذا صحيح، ولكنه ليس الصحيح كله، صحيح أن النظام = الطائفة يمتلك كل عناصر القوة المادية، ويضع يده على جميع مكامنها ومفاصلها؛ لكنه فشل في الحصول على شيء واحد مهم حتى تصفو له هذه المكاسب، ويأكلها هنيئاً مريئاً، وينام قرير العين، وهو «الشرعية»، وبدونها سيظل هذا النظام مسكوناً بالقلق، ومحكوماً بتصرفات قاطع الطريق الذي يساوره دائماً هاجس الوقت والإحساس بأنه ربما تكون هذه المغامرة آخر خبطاته. وحاله أبداً: رجل في السجن، ورِجل في القبر. لذلك، وعلى الرغم من هذه المدة الطويلة التي فصل النظام فيها سورية على قياسه، وقلب أوضاعها لتساير رغبات الطائفة ونزواتها؛ نراه غير واثق من نفسه، ولا يجرؤ على إلغاء العمل بهذا القانون الجائر الذي يمسخ الناس قطعاناً سائمة؛ لأنه غير متأكد أنه لو زال هذا الكابوس فلن يخضع للمساءلة والحساب عما اقترفه.
الإعلام المتخشب المنخور يحلو له أن يصف حافظ الأسد بأنه «باني سورية الحديثة» والصحيح أن حافظ الأسد بنى نظاماً ولم يبن دولة، وحتى هذا النظام بني على أساس من الملح.