حمزة الميداني
قد تسقط كابول مرة ثالثة، وبأيدي أحمد شاه مسعود ودوستم وحلفائهما، وقد تسقط مرة رابعة بأيدي غيرهم، لا فرق، فاللعبة واحدة وهي القتال لحساب الآخرين مادامت القبلية موجودة والأموال جاهزة، والنفقات السرية خلف الكواليس معقودة، ولو كتب الإنسان عن الأفغان قبل عشر سنوات لوجد نفسه كأنه يكتب الآن، فقد عودنا زعماء الأفغان على المفاجآت في انتصارهم وانهزامهم، وفي تحالفاتهم وولاءاتهم، التي تتغير بسرعة لم تعهد في عالم السياسة، أو في عالم السلم والحرب.
كان ظهور (طالبان) لغزاً في أول الأمر، ولكن هذا اللغز اتضحت صورته بعدئذ، فالكل يعلم اليوم من هم (طالبان) وكيف جيء بهم، ومَن الذي دعمهم، ولاشك أن بين صفوفهم أناساً طيبين، طلبة مدارس تقليدية تابعة (للمولوي) ولكنهم أضحوا وقود صفقات سياسية تجارية، لم تعد باكستان (بوتو) هي باكستان (ضياء الحق)، إن باكستان (بوتو) لا تريد زعماء الجهاد حكاماً لـأفغانستان، وأمريكا لها مصالح في غرب أفغانستان وتريد استخدام هؤلاء (المولويين) مخلباً لإقصاء هؤلاء الزعماء، ومن ثَمَّ تأتي بحكومة علمانية، وهكذا 12 سقطت كابل بأيدي طالبان، وخرج زعماء الجهاد (سابقاً) من كابل مشردين، يبكون ملكاً ضيعوه، ولم يشكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم حين فتحوا كابل، كسروا شوكة الشيوعية وكان انتصارهم من إرهاصات زوال الاتحاد السوفييتي، لقد تكالبوا على السلطة تكالباً عجيباً، حتى أصبحوا محل مقت من قبل المسلمين في العالم، ولم يتقوا الله في بلدهم الذي دمروه بمدافعهم وطائراتهم، ولم يتفقوا إلا عندما أحسوا بخطر (الطالبان)، لقد أضاعوا الأمل الذي انعقد على أفغانستان، ولم يقدروا المصلحة العامة.
أخطأت حكومة رباني خطأ فادحاً حين غازلت الهند، وقبلت مساعدتها، ورباني يعلم أن الهند عدوة الإسلام الأولى، وهذا يزعج الجارة باكستان، وأخطأ مرة ثانية حين ظن أن إيران يمكن أن تثبت على مبدأ في سياستها، أو أنه يعتمد عليه، فإيران تبحث دائماً عن مصالحها الخاصة والعامة، تبحث عن جماعتها، وكيف توقع أهل السنة في الورطات حتى يتسنى لها الدخول في اللعبة السياسية. وأخطأت حكومة رباني - حكمتيار حين لم تقدر قوة طالبان حق قدرها، وإذا كان حكمتيار يتهم قادة المدن (جلال آباد مثالاً) بأنهم باعوا ذممهم للطالبان فإن هذا يؤكد أن هذه الأحزاب الإسلامية تتحرك على قاعدة من الرمال، وأن المال يفعل ما لا يفعله غيره، فأين التربية الجهادية طوال هذه المدة؟ وأخطأت الأحزاب الجهادية حين خضعت لمنطق القبيلة، ,أصبحت أسيرة لهذا المنطق، وكأن الأصل أن يستفيدوا من القبيلة ولكن لا بدمن إخضاعها في النهاية لمنطق العقيدة.
إن أمريكا التي ساعدت الأحزاب الأفغانية في بداية الأمر ضد الاتحاد السوفييتي لا يعني أنها تريد وصول هذه الأحزاب للحكم وأمريكا التي سكتت عن مساعدة إيران للزعيم الكردي جلال الطالباني لها سياسة أخرى في شرقي إيران ففي 13 كردستان تريد أن يستمر القتال ولا يخرج أحد منتصراً وتمارس لعبة الاحتواء المزدوج مع إيران ، وفي النهاية فإيران أفضل لها من (السنة).
ناشد الزعماء المغلوبون على أمرهم (الجنرال) دوستم كي يساعدهم وينقذهم من الطالبان، ثم وجد حكمتيار أن هذا التحالف بين رباني ودوستم ومسعود ستكون نهايته صعود دوستم ومسعود أو غيره والانتهاء من الشخصيات التاريخية، فتحفظ على هذا التحالف خاصة وأنهم جميعاً من أعراق أخرى غير الذي ينتسب إليه حكمتيار وهكذا وجد حكمتيار نفسه أنه الخاسر الأكبر في كل ما يحدث وعندما يقول هؤلاء: ماذا نعمل؟ لابد من التحالفات والتنازلات، وإذا لم يكن هذا فكيف نقف في وجه المؤامرة على أفغانستان، والجواب على هذا : إن التحالف بين الإسلاميين ولو أدى إلى تنازلات خير من الاعتماد على الهند أو إيران، وخير من اللجوء أخيراً إلى روسيا التي قاتلتموها، أم أنكم تفهمون السياسة على أنها انتهازية، وإذا لم نتمكن ضمن إمكاناتنا ووسائلنا من الوصول إلى الأهداف المطلوبة، فنكون قد أعذرنا، وأدينا ما علينا، والبعد المشرف عن هذه الأوحال السياسية خير من الوقوع مرة ثانية تحت ذل روسيا ودوستم.
ونحن نكتب هذه السطور نقرأ ونسمع أن القتال مستمر وأن طالبان ترفض إخلاء كابل وتشكيل مجلس موسع، وقد يستمر القتال سنوات (على الطريقة الصومالية) وقد يقع التقسيم، وقد ينجح طرف ما، يستعد المقابل له لمعركة قادمة طاحنة، كما فعل طالباني مع البارزاني، ومع أن الفرق كبير بين (طالبان) و(طالباني) فهذا الأخير شديد الحقد والكره للإسلام والمسلمين، إلا أن هناك أشياء مشتركة، ففي المنطقتين تتدخل أمريكا وفي المنطقتين يتقاتل الناس لحساب غيرهم، وهذا من شر أنواع القتال، إن يسخر الأبرياء وتجري الدماء لمصالح دول مجاورة ودول بعيدة. فهل فكر زعماء (الجهاد) بهذه النتيجة المؤسفة؟ 14