من أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، قال تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ))[المائدة:55-56].
وقال جل وعلا: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[التوبة:71]. 90
وقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ))[الممتحنة:1].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) .
وللحديث روايات أخرى من المفيد ذكرها، ففي حديث عائشة: ( من عادى لي ولياً ) وفي رواية لـ أحمد: ( من آذى لي ولياً ) وفي أخرى له: ( من آذى ) وفي حديث ميمونة مثله: ( فقد استحل محاربتي ) وفي حديث معاذ: ( فقد بارز الله بالمحاربة ) وفي حديث أبي أمامة وأنس: ( فقد بارزني ).
والمراد بولي الله المواظب على طاعته المخلص في عبادته، وقد استشكل وقوع المحاربة، وهي مفاعلة من الجانبين مع أن المخلوق في أسر الخالق، والجواب أنه من المخاطبة بما يفهم، فإن الحرب تنشأ عن العداوة، والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب الهلاك، والله لا يغلبه غالب، فكأن المعنى: فقد تعرض لإهلاكي إياه، فأطلق الحرب وأراد لازمه، أي أعمل به ما يعمله العدو والمحارب . 91
قلت: توعد الله جل وعلا من آذى له ولياً واحداً بالمحاربة ، ومن حارب الله فقد تعرض لهلاكه... فكيف بمن آذى جمهور أولياء الله من العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية؟!، وكيف بمن وضع هؤلاء الأعلام المصلحين الذين جاهدوا ويجاهدون من أجل أن يكون الدين كله لله في مرتبة اليهود والنصارى؟!، وكيف بمن يعتقد أنهم أضر على الإسلام من الكفار؟!.
وكيف بمن والـى الظالمين وانحاز إليهم في اعتداءاتهم المستمرة على أولياء الله وحملة راية الهدى والصلاح؟!، أحسب أن هناك أكثر من قارئ سوف يتساءل: وهل هناك من طلاب العلم من يفعل ذلك؟!
شواهد من أقوالهم: نعم هذا ما يقوله سلفيو حزب الولاة، فهذا شيخهم وإمامهم ربيع بن هادي المدخلي يقول عن بعض ما كان يحدث من اشتباكات في أفغانستان بين بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية وبين جماعة سلفية: 92 «... حتى الجماعات القطبية التي تلبس السلفية وقعت كل فصائلها مع أعداء السلفية وسفاكي دمائها يؤيدونهم وينصرونهم لا يختلف موقفهم عن مواقف الروافض وغلاة التصوف، واتخذت هذه الجماعات أرض أفغانستان مراكز ومباءات لحرب السلفية وللدراسات التكفيرية وتعليم فنون الإرهاب والتخريب والتدمير في سائر بلاد المسلمين» .
تعليق: وها هنا وقبل المضي في سرد شواهدهم أود تسجيل الملحوظات التالية عن قوله الآنف الذكر وعن سائر ما يكتبون:
1- القطبية أو السرورية مصطلحان يعنيان عندهم كل سلفي يختلفون معه، وأحياناً يقولون «الإخوانية»، وعلى العموم فإن عباراتهم غير منضبطة.
2- ما قاله المدخلي غير صحيح، ونحن في مجلة السنة استنكرنا اعتداء الأحزاب على السلفيين في «كنر»، ويستطيع من يشاء العودة إلى عدد المجلة الصادر بهذا التاريخ، ونؤكد أن ما كتبناه قد اطلع عليه قوم المدخلي منذ ذلك التاريخ.
3- قوله هذا ليس أكثر من تقرير علني لأجهزة المخابرات.
ويشير في موضع آخر إلى مخاطر الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ فيقول:
«والذي أدين الله به أنه لولا اعتراض هذه الجماعات لجهود أهل السنة حقاً وتغلغلهم في الجامعات والمدارس السلفية وتشويههم المنهج السلفي وأهله بالافتراءات والشائعات - الإعلام الخبيث - لإطفاء نور التوحيد والسنة 93 وإحلال مناهجهم الفاسدة منهج الإخوان والقطبيين لكان العالم الآن يضيء بأنوار الإسلام الحق، ولكان حال المسلمين اليوم غير الحالة التي يعيشونها اليوم حالة الدماء والإرهاب والتخريب في كل مكان» .
وماذا في جعبة المدخلي بعد اتهامه للجماعات الإسلامية بتشويه المنهج السلفي بالافتراءات والشائعات لإطفاء نور التوحيد والسنة؟!.
إن سهام المدخلي التي لا يوجهها إلا صوب الجماعات الإسلامية لا تنتهي، انظر إليه وهو يقارن بين المشركين الذين حاربهم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وبين الجماعات الإسلامية التي تخصص المدخلي بعداوتها:
«لو كان الإمام محمد يحمل فكر عبد الرحمن لما رفع راية الجهاد ضد جماعات أقرب إلى الفطرة وأصدق لهجة وأفضل أخلاقاً من الجماعات التي ينافح عنها عبد الرحمن التي شهد عليها عبد الرحمن نفسه برداءة أخلاقها وتناحرها فيما بينها وإشاعة الأكاذيب والافتراءات وهذا وأخزى منه يدركه من ينظر إلى أعمال وتصرفات هؤلاء بجدية ويزنها بميزان الحق» [جماعة واحدة: 108].
ويعتقد المدخلي إن غايات الجماعات الإسلامية تضر ولا تنفع، انظر إلى مثل هذا التعميم في قوله: 94
«فهي جماعات مختلفة المنهاج والغايات والمقاصد، كل جماعة تدعو إلى منهجها، وتسعى لتحقيق غاياتها التي تضر ولا تنفع، وتغرس في نفوس أتباعها الحقد والبغضاء لكل من لا ينضوي تحت رايتها وتفتعل من الأكاذيب والشائعات التي تحطم خصومها ومخالفيها، وكثير منها يبالغ في عدائه للمسلمين فيكفرهم ويرى سفك دمائهم واستحلال أموالهم وأعراضهم، ويفعل بالمسلمين ما لا يفعله باليهود والنصارى». [جماعة واحدة: 99].
ويقول عن الإخوان المسلمين في شريط صوتي:
«الإخوان المسلمين أضر على الإسلام من الكفار الواضحين لأن المسلمين لا يخدعون بالكفار ولكن يخدعون بهؤلاء المضللين المبتدعين يخدعون بهم ويقعون في البدع والضلالات بسببهم».
ويكرر المدخلي مثل هذا القول الظالم المجافي للحقيقة والصواب في سائر كتبه ودروسه، ومن ذلك قوله:
«فيصدق عليهم - أي الجماعات الإسلامية - قوله تعالى: (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ))[التوبة:31]» ، أما اتهامهم بموادة اليهود والنصارى أو أشد من ذلك فيصعب تعداده من كثرته.
ويقول عن الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: «إن عبد الرحمن يحترم رؤوس أهل البدع المعاصرين، ورؤوس أهل الفتن الحزبيين مثل سيد قطب، والبنا، 95 والمودودي، وكما بلغني الترابي ومن دار في فلك هؤلاء ويدافع عنهم ويتولاهم» [جماعة واحدة: 194].
ربيع المدخلي كان سلفياً، ولم تمنعه سلفيته من الانخراط في صفوف الإخوان المسلمين، ثم اكتشف بعد عشرة طويلة أنهم أعداء للمنهج، فكيف خفيت عليه هذه المسألة عندما كان يتتلمذ على كتبهم وعلى شيوخهم مع أن الكتب لم تتغير وكذلك الشيوخ... واكتشف أيضاً أن الجماعات الإسلامية أخطر على الإسلام من الجماعات التي حاربها الإمام محمد بن عبد الوهاب، كما اكتشف أنهم أضر على الإسلام من الكفار الواضحين.
وأثنى المدخلي على سيد قطب في كتابه «منهج الأنبياء»، ثم اكتشف ضلالات كثيرة له ويستغرب في كتابه [جماعة واحدة، ص163] كيف لم يكفر السلفيون سيد قطب، بل ويعتبره رأساً من رؤوس الفتن الحزبيين.
هذه الاكتشافات الخطيرة التي انفرد المدخلي وأعضاء حزبه بها، والتي كانت موضع استنكار العلماء الكبار الذين نحترمهم ونجلهم، ويحترمهم ويجلهم المدخلي أيضاً، لا نستطيع فصلها عن موقف حكومة بلده من هذه الجماعات، كما لا نستطيع فصلها عن موالاة هذا الحزب لمن تواليه هذه الحكومة، وعداوتهم لمن تعاديه، وهم لا يتسترون في اتخاذهم لهذا الموقف، ولا يخشون من المشي بالنميمة ضد إخوانهم الدعاة، ولم تعد هناك أية حاجة إلى تجميع أدلة تثبت قيامهم بدور الجاسوسية لمصلحة ولاة أمرهم، فكتبهم وأشرطة محاضراتهم أصبحت تقارير علنية دون أي خجل أو حياء، وليقرأ 96 من شاء تقريرهم المشهور: (التقرير السري العالمي بين التخطيط والتطبيق)، فإنه إن فعل سيجد هبوطاً مؤسفاً في الأخلاق والمروءة، كما أنه سيجد حشداً هائلاً من الأكاذيب التي يعجزون عن تقديم أي دليل عليها، وسيتساءل بمرارة: هل هؤلاء طلاب علم، وأين هم من علم الدراية والرواية الذي يدرسه بعضهم في المعاهد والجامعات؟!.
وسيكتشف من يقارن بين هذا التقرير ومؤلفاتهم ومحاضراتهم أنه تلخيص مكثف لها مع بعض الإضافات التي يقتضيها مثل هذا الموضوع السري.
ترى ألا يدري هؤلاء أن عقيدة السلف لا تنفصل عن أخلاق السلف؟!، رحم الله من قال:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم                         ولو عظموه في الصدور لعظما
ولكن أهانوه فهان وسودوا                         محياه بالأطماع حتى تجهما
97