عندما هدد فرعون موسى بالقتل، كان رد رسول الله على هذا التهديد: (( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ))[غافر:27].
عذت بربي: أي لذت واعتصمت به، والتجأت إليه، وتوكلت عليه.
من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب: أي متصف بالكبر لا يصدق بالبعث والجزاء.
وعياذ موسى بالله إنما هو في الحقيقة من فرعون، وإن كانت العبارة أعم من خصوص فرعون: (( مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ))[غافر:27]. وهكذا كان أنبياء الله ورسله يلتجئون إلى الله جل وعلا، ويعلمون أن الاعتماد عليه سبحانه وتعالى هو الطريق المؤكد المعتبر في دفع الشرور والآفات. قال تعالى: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ))[الفلق:1-2]. وقال: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ))[الناس:1] وقال: (( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))[فصلت:36] 17
الاستعاذة من العبادات التي أمر الله تعالى بها وصرفها لغير الله شرك. قال تعالى: (( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ))[الجن:6].
قال ابن جرير الطبري: «كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك إثماً» .
وعن أبي موسى رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوماً قال: اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم).
ونبي الله موسى عليه السلام مدرك لفضل الله ومنته عليه:
-فالله جل وعلا هو الذي أنقذه من بطش فرعون يوم ولدته أمه، وهيأ له الأسباب ليتربى في قصر الطاغية المتأله وليكون عدواً له.
-وعندما قتل موسى القبطي قبل البعثة سخر له الرجل الذي أخبره بأن فرعون وملأه يتآمرون عليه ليقتلوه، وكتب الله له النجاة من القوم الظالمين.
وعندما استعاذ بالله، والتجأ إليه يسر له الرجل الصالح الذي آواه وأطعمه، وزوجه إحدى ابنتيه.
-وعندما تغلب عليه طبيعته البشرية، فيخشى من فرعون وجبروته وبطشه يتذكر وعد الله له ولأخيه هارون عليهما السلام: (( لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ))[طه:46] فتسري الطمأنينة في نفسه، ويعلم أن العاقبة للمتقين، وأن (( كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ))[غافر:25].
إن قوى الأرض-مهما عظمت-المعادية لله ولرسوله وللمؤمنين 18 تافهة وتافهة جداً في نظر ومقاييس العصبة المؤمنة التي تتوكل على الله، وتتذلل له، وتستعيذ به، ولا تغفل عن الأخذ بأسباب النصر والتمكين.
فمن كان يدري أن الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي سوف يصيبها ما أصابها من ضعف وانهيار في السنوات القليلة الماضية... ومن يدري أن الولايات المتحدة الأمريكية سائرة في هذا الطريق؟!، وإذا كان هذا هو مصير السادة، فكيف يكون مصير العبيد الأقزام؟! فما أحوج العلماء والدعاة-وهم قادة الأمة المسلمة- إلى إدراك أهمية الاستعاذة بالله لا سيما وهم الذين يعلمون الناس ويقولون لهم: «الاستعاذة بالله عبادة، ومن صرفها لغيره فقد جعله شريكاً لله في عبادته، ونازع الرب في ألوهيته».19