الملاحظ للوضع في اليمن يجد أنها في هذه المرحلة ما إن تخرج من حفرة إلا وتسقط في هاوية، وما إن تعود إلى طريقها الذي أضاعته إلا وتتيه في مفازة؛ وفي السطور التالية سأوجز أبرز معالم الوضع السيء في اليمن من خلال النقاط التالية:
أ.- سياسياً: كان اتخاذ القرار السياسي في شطري اليمن قبل الوحدة سهلاً نظراً للفردية في الشمال، والتكتل القائم على فكر واحد في الجنوب. أما بعد الوحدة فقد تعددت مراكز اتخاذ القرار مع اختلاف في الفكر وخوف كل جهة من انقضاض جهة أخرى عليها، بالإضافة إلى كثرة الأحزاب كثرة مذهلة حيث أصبح تعدادها ما يقارب الأربعين مع ضعف في الطرح وسوء في البضاعة. ويرى المتأمل أن أغلب هذه الأحزاب تطرح أفكاراً متشابهة إلى حد التطابق. ويعود ذلك لعدم وجود خلاف بينها إلا في تفصيلات بعض الأمور ولا مفرق لها إلا طمع قياداتها في الزعامة وحب الظهور، والجامع بين جل هذه الأحزاب هو العداء للإسلام والمحاربة لشموليته لسائر جوانب الحياة المختلفة.
ب- اقتصادياً: تدهور الاقتصاد اليمني تدهوراً مريعاً حيث بلغت مديونية اليمن 7.5مليار دولار، وارتفعت نسبة البطالة إلى ما يقارب 27%، وانخفض 85 سعر الريال اليمني أكثر من 77%، وارتفعت نسبة التضخم إلى 35%، ووصل العجز في موازنة عام 1992م، 12مليار ريال يمني، وكثرت مسميات الضرائب ومقاديرها، كما تؤكد بعض المصادر الاقتصادية خسارة اليمن لـ 37% من إجمالي الناتج القومي و 70% من دخله من العملات الأجنبية البالغة 1.2مليار دولار بعد حرب الخليج، كما أن المساعدات الخارجية ضعفت إلى حد كبير حيث توقفت المساعدات الاقتصادية والعسكرية مما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي لما كان يسمى باليمن الجنوبي، وتوقف دعم دول الخليج لما كان يعرف باليمن الشمالي.
يضاف إلى ذلك تلاعب قيادات الحزبين الحاكمين «المؤتمر + الاشتراكي» في مدخرات البلاد، حيث تقوم بتوجيه مدخول الدولة من العملات الصعبة عن طريق النفط وغيره إلى الحسابات السرية من جهة وإلى ما يحقق نفوذاً أكبر للحزبيين داخل الشارع اليمني من جهة أخرى، بعيداً عما يحقق المصلحة العامة، ويساعد على تحقيق مستوى من المعيشة أفضل لأفراد الشعب اليمني المغلوب على أمره.
ج- أمنياً: يكاد الأمن في اليمن يكون أحد المفقودات وخاصة في المدن الكبيرة والمناطق التي لا يرعاها شيخ قبلية قوي، ويرجع ذلك إلى أمور أهمها:
1. غياب العدل والاستقرار، حيث عم الفساد الجهاز القضائي وانتشرت الرشوة ببين الكثير من منسوبيه، وأصبح المستحيل ممكناً فعله لمن يدفع أكثر، بالإضافة إلى عدم تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة إلا في حالات قليلة وبعد مماطلة طويلة.
2. ضعف الجهاز الأمني من جهة، والتنافس بين أفراد نتيجة الاختلاف في الانتماء الحزبي أو القبلي أو الإقليمي من جهة أخرى. بالإضافة إلى القلاقل الأمنية الناشئة عن الثأر القبلي وانتشار حالات القتل والسرقة للنقود والمنازل والسيارات...إلخ.
د. اجتماعياً: ينتشر القات والمسكرات انتشاراً ذريعاً - لا يزال مصنع الخمر 86 في الجنوب يعمل حتى اليوم - كما أن الاشتراكيين يسعون لتعميم تجربتهم في إفساد المرأة - في الجنوب سابقاً - في جميع أنحاء البلاد باسم المساواة والحرية وحفظ المكتسبات، سواء بتشجيع المرأة على رفض قوامة الرجل، أو بالتجنيد أو بإبقاء تراخيص البغاء التي أصدروها سابقاً.
كما أنهم وغيرهم من القوى المعادية لإسلام يعملون على المزيد من النشر لدور السينما والتلميع لرموز ما يسمونه بالقيادات اليمنية لتحرير المرأة عن طريق وسائل الإعلام المختلفة مستغلين بذلك الجهل المنتشر بأحكام الإسلام بين أوساط اليمنيين عموماً، والمرأة منهم على وجه الخصوص.
هـ. الاستفزاز العقائدي: تسعى القوى العلمانية يسارية كانت أو يمينية إلى استفزاز القوى الإسلامية في اليمن عن طريق مهاجمة الإسلام والطعن في صلاحيته لكل زمان، وشموليته لسائر الأحوال، وعن طريق تحليل بعض المحرمات الشرعية عن طريق القانون الوضعي والبرلمان، حتى يتسنى لهم وهم في موقع المسؤولية ضربها بيد من حديد، ولعل من أوقح من يقوم بهذا الاستفزاز صحف الحزب الاشتراكي من جهة وبعض الماركسيين كـعمر الجاوي من جهة أخرى.
و. ثقافياً: تعمل القوى العلمانية بسائر توجهاتها وفي مقدمتها الحزبان الحاكمان على فرض حصار فكري على القوى الإسلامية عن طريق تحطيم أو تقليل المكتسبات التي بأيديهم مثل المعاهد العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، ومثل محاولة تصوير تناول خطباء الجمعة لغير مسائل العبادات لخطبة الجمعة وتحويلها إلى خطب سياسية لا غير (ولا سياسة في الدين كما لا دين في السياسة) بالإضافة إلى السعي لكسب تأييد شعبي لذلك الحصار بإظهار أن تلك المكتسبات التي بأيدي الإسلاميين تمثل خطراً على الوحدة الوطنية، وأن المبالغ التي تصرف من الدولة عليها لا تذهب لوجهها وإنما تذهب لخدمة أغراض سياسية.
و . الرهان الإقليمي: من أعداء اليمن ضده: بعد الوحدة برزت العديد من 87 القوى الإقليمية التي تحاربها، وكان موقف القيادة السياسية تجاه أزمة الخليج الطريق الأمثل لتفكيك الوحدة عن طريق توظيف بعض الأحزاب والقبائل وبعض العصابات الإرهابية والأفراد للقيام بأعمال عنف كالاغتيالات وغيرها، ونبش حالات الثأر بين القبائل أو بتدمير الاقتصادي اليمني عن طريق تهريب السلع وتشجيع السوق السوداء لخفض سعر الريال اليمني...إلخ.
كل هذه الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية مهيأة للجهة التي تريد أن تثير الوضع وتستفيد من الاغتيالات. فيا ترى من هذه الجهة أو الجهات؟