التحــرير
الجريمة البشعة التي تجري أمام أنظارنا هي تسليم فلسطين وبيع القدس في سوق النخاسة الدولي.. والصهاينة كانوا ولا زالوا يظهرون تحفزهم وبرنامجهم الداعي إلى السيطرة على الأمة الإسلامية... وأمريكا ومن خلفها الغرب الصليبي المجرم صاغ هذا الواقع الأليم من خلال التحالف المكشوف لإذلال المسلمين وتمكين مناهجه وقيادته وبيادقه هنا وهناك... والزعامات والحكومات العربية لا تقل إجراماً عن اليهود والصليبيين، ورصيدها المخزي وسجلها المليء بالخيانات والتآمر يجعلها أحط شأناً من أن تصمد أمام اليهود فضلاً عن أن تحاربهم... فهي مشغولة هذه الأيام بإقامة أعواد المشانق وإعداد الزنازين وبذل الأموال لسحق من تسميهم بالأصوليين أي الدعاة والأشراف الأحرار الذين يبدو فجرهم يلوح بعد ليل العام البهيم.
في هذه الظروف الحرجة يقفز وجه كالح وحزب ماكر ليتولى الحكم في الكيان الغاصب.. هذا الزعيم الذي أذاق العرب الذل قبل ربع قرن أراد أن يذكرهم أن الهزيمة على مائدة المفاوضات لا تقل بشاعة عن الهزيمة في ساحات الوغى ما دام أن الجانب الآخر يتحكم بقراره ولا يمثل شعبه ولا يملك الشرعية التي تؤهله للاستمرار.46
صفق المنهزمون لفوزه وكأنهم هم الفائزون... ورقص الإعلام العربي البشع رقصة الفرع ودق طبول النصر... وانطلقت الحناجر العربية تهلل بفوز السلام وتبشر بانحسار التطرف... لكن ما الذي يخبئه هذا الفوز لأمتنا وقضيتنا الأولى؟ فالسلام المزعوم هو سلام الغاصب برعاية الطاغوت الأمريكي مهما طلبوا له وحالوا تمريره وتسويته... والأمة الآن تعيش مرحلة انبعاث تجعل من الاستسلام حالة مرفوضة ما دام في الأمة عرق ينبض... كان بإمكانهم أن يمرروا السلام الهزيل لو كانت الأمة نائمة أو مضللة.. لكن الوضع اليوم يختلف عنه قبل ربع قرن، فلن تخرج الأمة لتهلل للسلام وتطالب الزعماء بالاستمرار وطول البقاء... فهؤلاء لا يستندون إلا للسيف والدبابة ممراً إلى كرسي الحكم، أما هذه الشعوب فقد عرفت أعداءها، وعادت إلى أصولها، وتحفزت للمضي قدماً في الطريق الطويل والصعب والشاق.. المليء بالشوك والحجارة، والعوائق التي تقف في طريقها.47
  1. القيادات الوطنية الفلسطينية الانشقاقات تلاحق المنظمة المنهكة (الحلقة الثالثة)
    عبد الله السيباني
    كان فوز حزب العمل الإسرائيلي بزعامة إسحاق رابين في الانتخابات الأخيرة بمثابة الفرصة الذهبية لياسر عرفات وقيادته للخروج من المأزق الذي وصلت إليه المنظمة في المرحلة الحالية، ونتيجة لهذا الفوز الذي يبالغ الختيار في المراهنة عليه، فإن مواجهته مع قيادات المنظمة ومتحديه داخل أطرها تدخل طوراً آخر، لاسيما وأن الخلاف الحاصل داخل القيادة الفلسطينية هو بين تيارين رئيسين، تيار يرى تقديم مزيد من التنازلات والاستمرار في العملية السلمية الكسيحة حتى النهاية، وآخر يطالب بالتأني والانسحاب من محادثات لن تؤدي إلا إلى الاستسلام الكامل دون أن نجد الدولة الفلسطينية طريقها للانبعاث في ظل الرفض الأمريكي/ الإسرائيلي القائم.
    وخلال اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني في تونس من 7 إلى 10 مايو الماضي خيم على أجواء المؤتمر المصير القاتم الذي لحق بحكومة عموم فلسطين حينما وجدت نفسها منساقة إلى الحلول الدولية الجائرة، كما بدا لو أن المنظمة بعد ربع قرن من تبني الخيار المسلح قد تراجعت إلى خطواتها الأولى في عهد أحمد الشقيري، وأنها بعد كل هذه المسيرة التائهة المضنية وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه حين تباشر العمل الدبلوماسي المطلوب منها في هذه المرحلة والذي هو في 48 حقيقته بيع لأرض وقضية فلسطين في ظل الأجواء الدولية والعربية الحالية التي تريد أن تعجل في أجراء الصفقة، وختم المنظمة بذيل وثيقة الاستسلام!!.
    تيارات ... وزعامات:
    يمكن خلال استعراض الإفلاس والتناحر الذي صبغ مرحلة ما بعد حرب الخليج أن نتلمس ظاهرة الانشقاق والتسابق إلى المقاعد القيادية على كافة المستويات والأطر التي تحكم العمل السياسي الفلسطيني... وإذا أخذنا منظمة فتح التي تشكل الفصيل الأقوى داخل منظمة التحرير فإن الانشقاق قد أصاب حتى القيادات القديمة والفاعلة التي لا زالت تمارس الزعامة منذ ربع قرن، وإذا توسعنا إلى المنظمة وتنظيماتها المختلفة فإن التناحر الذي ميز فصائلها لا يزال مستمراً وبصورة تعكس خلافاً مع عرفات وفتح تحديداً، أما قيادات الداخل فإنها تستثمر هذا التناحر والخلاف وتزيد من نفوذها وزعامتها في ظل الدعم الدولي القوي لها مستفيدة من رصيد المنظمة الواقعي والتاريخي... ولعلنا نستعرض بعض صور هذه الانشقاقات على المستويات الثلاثة: فتح، المنظمة، وقيادات الداخل.
    أ- خلافات داخل منظمة فتح:
    تعتبر منظمة فتح أقدم وأقوى المنظمات الفلسطينية التي استفادت من مجمل السباق العربي الفلسطيني خلال الفترة الماضية من عام 1967م وحتى الآن... لقد كانت فتح في بدايتها تتبنى استقلالية القرار عن النظام السياسي العربي، كما أن بعض شخصياتها الأولى كانت تحمل نزعة إسلامية جهادية جعلتها تستفيد من مجمل الأوضاع التي خلفتها هزيمة 5 حزيران 1967م لتنطلق بعمليات فدائية محدودة في وجه الاحتلال الإسرائيلي... واستطاعت فتح بعد سنتين من الهزيمة أن تسيطر على منظمة التحرير الفلسطينية التي أنشأها الرؤساء والملوك العرب عام 1964م، وعينوا أحمد الشقيري زعيماً لها... وخلال مسيرتها الماضية تخلت فتح عن كثير من مبادئها ومنطلقاتها، ولاسيما بعد أن وصل عرفات ورفاقه إلى دائرة الضوء والزعامة، ويمكن تلخيص مسيرة المنظمة (وفتح بالتالي) باختصار شديد بالمراحل التالية:
    - مرحلة التكوين والتشكيل: وتمتد منذ بداية الستينات وحتى هزيمة حزيران النكراء، وقد تشكلت أسس المنظمة ومنطلقاتها من مزيج من الوطنية الفلسطينية. 49 والأفكار والمشاعر الإسلامية التي صبغت شعاراتها الأولى ومسمياتها (كأسماء القياديين أو اسم المنظمة ذاتها) وقد كانت الأنظمة العربية تناصبها العداء والمطاردة لاستقلاليتها وخوف الحكام العرب لاسيما عبد الناصر وحلفاؤه من تبني المنظمة للإسلام منهجاً.
    - مرحلة الانطلاق: وهي مرحلة كسب التعاطف الجماهيري والشعبي بعد انطلاق الكفاح المسلح والتصدي لليهود في معركة الكرامة مما أدى إلى ارتفاع الثقة بالنفس والاحتكاك بالسلطات الأردنية وبالتالي المواجهات العسكرية الدموية التي عرفت بأحداث أيلول الأسود وفي هذه المرحلة أخذت فتح في التخلي تدريجياً عن الوجهة الإسلامية.
    - مرحلة التوجه العلماني: وقد تلا الخروج من الأردن مباشرة حيث تبنى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته المنعقدة في فبراير 1971م نموذج الدولة العلمانية التي تهيمن على كامل التراب الفلسطيني، ويتساوى فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون في الحقوق والواجبات، ويمكن القول إن هذا الإعلان يشكل نقطة تحول حاسمة ومتوقعة بعد أن أخذت المنظمة في الابتعاد عن منطلقاتها وعواطفها الإسلامية التي بدأت من عام 1967م وحتى عام 1971م نتيجة لعوامل ذاتية وعربية ودولية ومنذ هذا الإعلان بدا أن المنظمة قد أخذت في مواجهة وإقصاء أي توجه إسلامي مؤثر على الساحة الفلسطينية.
    - مرحلة التخلي عن تحرير فلسطين: وقد تبنى المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في يونيو عام 1974م مبدأ قبول إقامة كيان فلسطيني على أي جزء يتحرر من فلسطين بعد أن كانت القيادات الوطنية الفلسطينية تصر على أن تحرر حكم فلسطين يجب أن يكون على كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر.
    - مرحلة تبني الحل الأمريكي/ الإسرائيلي للمشكلة بعد خروج عرفات وقواته من لبنان سارع بالقبول بالحل الإسرائيلي / الأمريكي للمشكلة الذي يرفض إقامة كيان فلسطيني مستقل ويصر على إقامة اتحاد كونفدرالي بين الأردن والأراضي المحتلة، وقد توجت هذه الاتصالات باتفاق حسين/ عرفات عام 1985م الذي رفض حينها من قبل غالبية الفلسطينيين لأنه لا يحقق الحق الأدنى من تطلعاتهم.
    - الانتفاضة: وقد قبلت الانتفاضة موازين الأحداث بعد أن شارف عرفات على الموت سياسياً، وبعد أن رفض العرب والأمريكان التحرك الذي يكفل الحد الأدنى 50 من الحقوق الفلسطينية، حينها سارع عرفات وفريقه إلى ركوب موجه الانتفاضة والإفادة منها سياسياً لدفع التحرك السلمي قدماً. ونتيجة لذلك أعلنت دولة فلسطين واعترف عرفات باليهود وباشر الاتصال بأمريكا...إلخ. ويلاحظ أن الانتفاضة قد قلبت موازين القوى حيث أخذت الأرض المحتلة تكسب ثقلاً ملحوظاً في التأثير على القرار الفلسطيني مقابل الخروج الذي تمثله المنظمة.
    - مرحلة تنفيذ الحل السلمي: وقد كان محصلة للمراحل الانهزامية السابقة وخروجاً من مأزق حرب الخليج وما سبقها من اختراقات عربية لأجهزة المنظمة وقاداتها... وتزامنت هذه المرحلة مع ارتفاع أسهم قيادات الداخل المشبوهة التي أعطيت زخماً سياسياً وإعلامياً هائلاً للمضي بالعملية السلمية وتوريط المنظمة وقادتها للقبول بأي حل يطرحه المشروع الأمريكي/ الإسرائيلي للسلام.
    ويلاحظ من هذا الاستعراض المختصر أن المنظمة وقادتها قد بدلوا مبادئهم وطروحاتهم بصورة مستمرة وقادوا القضية الفلسطينية من هزيمة إلى أخرى حتى أوصلوها إلى القبول بالحل السلمي المطروح، وخلال ربع قرن سقط القادة الأوائل للمنظمة مثل أبو علي إياد وكمال عدوان وأبو يوسف النجار وماجد أبو شرار وسعد صايل وخليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) وهايل عبد الحميد (أبو الهول) وبقي عرفات.. وعرفات وحده (والسؤال لماذا؟) الذي يجمع اليهود والأمريكان والفلسطينيون والعرب على أنه ضروري لعملية السلاح واستمرارها، يقول جاكسون ديل محلل الواشنطن بوست: إنه الزعيم الوحيد القادر على جر الفلسطينيين نحو الحل المنشود، ، أو بلسان السفير المصري في واشنطن عبد الرؤوف الريدي: لقد جر الفلسطينيين إلى هذا الحل عبر طريق طويل وشاق وأقنعهم بأن عليهم أن يتجرعوا الدواء المر، ، هذا العلقم المر تطالب بعض قيادات فتح بالمزيد منه، وأصبحت هذه المطالب علنية ومجلجلة، وقد اتضح منذ حرب الخليج حتى الآن أن المطالبين بهذه التغييرات ينطلقون من خلافات تنظيمية وطموحات شخصية تغلف بالجدل حول أداء المنظمة السياسي لاسيما فيما يتعلق بعملية السلام. 51 ويطمح هؤلاء الزعماء إلى الوصول إلى سدة الزعامة (مكان عرفات) ثم الانطلاق إلى خدمة الطموحات والأهواء الذاتية مدعومين من قبل الأنظمة العربية التي تتبناهم وتدعمهم، ومستغلين هامش المناورة على الساحتين الفلسطينية والدولية للوصول إلى هذه الغاية، ولم يعد سراً أن كبار قادة المنظمة وزعماءها ينقسمون إلى محاور عربية متنافرة أهمها:
    - تيار موال لـسورية: وهو تيار كبير العدد ويراهن على التنسيق مع النظام السوري في المواقف، كما يحظى بتعاطف أهل الأرض المحتلة الذين لا يرون فائدة كبيرة من أسلوب المنظمة في إدارة المفاوضات، ويضم هذا التيار فاروق قدومي وبعض قيادي الصف الثاني، ويلقى دعماً قوياً من فصائل الرفض اليسارية في إطار المنظمة كجورج حبش ونايف حواتمه وأحمد جبريل والمستقلين المرتبطين بالدعم السوري كـخالد الفاهوم.
    - تيار موال للأردن: وهو تيار يقف في مقدمته محمود عباس (أبو مازن) والسفير الفلسطيني في الأردن الطيب عبد الرحمن وزعامات الداخل المشبوهة كـفيصل الحسيني وحنان ميخائيل ونصارى الضفة كـإلياس فريج وبعض العائلات المحسوبة على النظام الأردني كعائلة المصري النابلسية وعائلة الشوا من قطاع غزة كما يضم عبد الحميد السائح (شيخ المنظمة) الحالي ومفتي الحسين السابق!!.
    - تيار موال لـمصر: ويقف تحت هذا التحالف سليم الزعنون (أبو الأديب) ونبيل شعث وسعيد كمال وبعض قيادات قطاع غزة.
    - تيار موال للسعودية: ويضم خالد الحسن وهاني الحسن وعبد الله الإفرنجي ورجال الأعمال المتنفذين الذين لهم علاقات تجارية وسرية مع كبار الشخصيات في الخليج، وقد توارى عن الأنظار بعض رموز هذا التيار المفضوحة كرفيق التنشة وأبو هشام (خليل المزين) .
    والسؤال: كيف تتجاذب هذه التيارات زمام القيادة والتأثير ... وهل يوجد تيار داخل قيادة المنظمة موال لفلسطين فقط؟؟. إن قدرة المجموعات الآنفة الذكر على الزعامة تمر بمرحلة حرجة، فالكل يطالب بقيادة بديلة عن عرفات في حالة اختفائه عن المسرح السياسي كخطوة أولى من مشوار التخلص من عرفات ومرحلة عرفات... وإضافة لمحاولات الدول العربية الجادة للتخلص من عرفات فإن التيارات المذكورة يحكمها في خضم معركتها للزعامة عاملان آخران، أولهما: قبول 52 الشعب الفلسطيني والشارع المنتفض لأسماء لا تملك من مؤهلات الزعامة سوى رصيد بنكي ضخم أو علاقة مشبوهة بأجهزة الاستخبارات العربية أو قدرة فائقة على التشبث بكرسي الزعامة دون مؤهلات، وهذا العامل يجعل من نجاح الزعامات المرتبطة بأنظمة الخليج ومصر والأردن ضئيلاً لأن هذه الأنظمة إنما هي مخالب قط للمشروع الأمريكي السافر للسلام والتي جرب الفلسطيني الأعزل الموت والمطاردة والعصف في ظله وبمباركة الطغيان الأمريكي... من هنا فإن العامل الأمريكي/ الإسرائيلي يفسد على هذه القيادات فرصة التقدم حتى في ظل عملية السلام المحمومة ودعم معسكر أمريكا العربي لها... في الجانب الآخر يستثمر التيار اليساري الرافض هذه المعاناة ويحاول أن يقلل من خسائر المفاوضات بعد أن ذهبت سورية (زعيمة المعسكر) إلى مفاوضات السلام وحاولت أن تمسك بالعصا من الوسط فهي راغبة في الصلح مع اليهود، لكنها تعرف أن نتائج هذا الصلح ستكون الجرعة السامة التي تنتظرها، وحينها لا يبقى للرفض النسبي قيمة أو للأساليب الحرباوية سوق رائجة.
    العالم الثاني هو الاقتراب من الموقف الأمريكي والمراهنة عليه، ومن الطبيعي أن تيارات الزعامة المرتبطة بسورية لا تملك نفس الحماسة التي تظهرها التيارات الأخرى لمشروع السلام الأمريكي، ومن هنا فإن القيادات السلمية تراهن على العطف الأمريكي والتلميع الغربي في مرحلة المفاوضات المقبلة، وأن الدعم الأمريكي/ الإسرائيلي/ العربي قد يجعل فرصتها في تولي زمام القيادة أكبر وأعظم خصوصاً إذا أظهر رابين شيئاً من المرونة التكتيكية التي قد تظهر (بواسطة التقنية الإعلامية الأمريكية ومشتقاتها) على أنها سلام وأي سلام!!.
    وكأمثلة لهذه القيادات المراهنة على دور قيادي نأخذ مثالاً خالد الحسن الذي يمثل تيار الخليج لاسيما السعودية بعد أن سحب منه (الشيوخ) في الكويت الجنسية الكويتية، فقد كان خالد الحسن من المطالبين بتقديم تنازلات وإجراء حوارات مع أمريكا عن طريق حليفاتها في المنطقة، وأن أي حل يكون مقبولاً وقد وصلت المنظمة إلى طريق مسدود في تصديها لحل القضية. أما بعد أزمة الخليج وانتصار الأمريكان فإن الحسن كان يرى في هذه التحولات دليلاً آخر على صدق نظرته ونجاح رهانه، وقد نادى في محاضرة له في لندن بإقامة اتحاد كونفدرالي بين الأردن والضفة وإسرائيل وهو خلاصة ما يرمي له المشروع الأمريكي، ولكنه وجد مروجاً من داخل 53 صفوف المنظمة ينادي بهذه الفكرة التي كانت تعتبر من المؤامرات الصهيونية الإمبريالية في قاموس المنظمة حتى فترة قريبة!!.
    ولتحقيق هذا الهدف سعى خالد الحسن إلى فكرته، وتنقل بين العواصم العربية محاضراً ومصرحاً ومطالباً بتغيير (الزعامات الفلسطينية والإتيان بزعامة قادرة على استيعاب الظروف الجديدة، ومماشاة الواقع الذي أوجدته حرب الخليج)، .
    وقد انتقل هذا الصراع إلى قاعات الاجتماع حيث شهد اجتماع المجلس الثوري لفتح في يوليو 91م مواجهة ساخنة بين عرفات والحسن، وحمل عرفات على الحسن واتهمه بالتآمر والخيانة وسوء الأمانة، ورد الحسن بعنف أيضاً وقال: إنه لم يعد يجمعه بعرفات سوى الأطر الشرعية وأنه لا يلتزم لا بقيادته ولا بسياسته ولا بتوجهاته)، .
    (وبالرغم من الخلافات السياسية والأيديولوجية فإن هناك خلافات تنظيمية، فـالحسن يرى أن عرفات يستغل نفوذه للسيطرة على فتح والمنظمة، وعرفات يتهم الحسن بأنه لم يدخل معركة فلسطينية واحدة وأنه تاجر وليس مناضلاً وأن هموم الشعب الفلسطيني في واد وهو في واد آخر، وأن نفقاته في تنقلاته وأسفاره تكفي لإعاشة مخيم بأكمله)، ، وترى المصادر الفلسطينية أن عرفات بتسلطه يضعف من إمكانية التعايش مع شركائه فبعد الخروج من بيروت اختير خالد الحسن مفوضاً للشؤون الإعلامية للحركة، لكن عرفات لم يستسغ هذا الاختيار فسلط عليه رؤساء الأقسام الإعلامية في المنظمة، حتى نفذ صبر الحسن وفتر حماسه... ويبدو أن الخلاف التنظيمي وما ينتج عنه من سلطات ونفوذ هو القاسم المشترك في صراعات المنظمة وقياداتها.
    من هذا المنطلق فلا يستبعد أن تشهد المرحلة القادمة منظمات وفصائل أصغر تخرج من تحت العباءة الفتحاوية، فخالد الحسن صرح قائلاً: (ربما يتحول جزء من حركة فتح إلى حزب سياسي داخل الكيان الفلسطيني الذي سينشأ بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967م - إذا تحقق ذلك - لكن القسم الباقي - تحت قيادة عرفات - سيظل ملتزماً مبادئي فتح ومستمراً على نهجها)، . وهكذا 54 فإن حزباً جديداً سيظهر للوجود بقيادة (عرفات جديد) اسمه خالد الحسن... من أجل ذلك فإنه يضيف: (منظمة التحرير ينتهي دورها بمجرد استعادة الأراضي المحتلة عام 1967م) .
    أما محمود عباس (أبو مازن) فهو أداة أردنية طيعة، ولذا فإن خلافه مع عرفات يمكن اختصاره في محاولة أطراف إقليمية ودولية لوصول أبو مازن إلى القيادة بعد عرفات، حيث يتسلط دكتاتور آخر على قدرات ومصير الشعب الفلسطيني... وخلال مباحثات السلام المتعددة في موسكو اعتزل أبو مازن في بيته مطالباً عرفات بالمشاركة في المباحثات حتى لو لم يسمح لفلسطيني الشتات بالمشاركة، وهذا الموقف هو رجع الصدى للموقف الأردني اللاهث للمشاركة في المباحثات مع اليهود الصهاينة، وكما فعل خالد الحسن فإن هذا التسابق على القيادة والنفوذ قد صبغ بلون سياسي هو الخلاف حول أسلوب إدارة المفاوضات. .
    أما اجتماعات المجلسين الثوري والمركزي التي عقدت في تونس في متصف مايو 1992م فقد عكست هوة الخلاف وحجمه داخل القيادات الفلسطينية، وكان الخلاف الأساسي يتمثل في احتكار عرفات وحاشيته (للمال والنفوذ) وعدم توزيع المسؤوليات على معاونيه لاسيما فيما يتعلق بالمشاكل الجوهرية والقضايا المحورية فمعروف أن عرفات يمسك برئاسة (33) لجنة داخل المنظمة ويدع للباقين القضايا الهامشية التي لا خيل فيها ولا مال!! وننقل بعض فقرات هذا المؤتمر..
    - تبين لعرفات أن وثيقة هاني الحسن التي قدمها للجنة المركزية والتي أسماها (العودة إلى الينابيع) وقد تركت آثاراً ملموسة في معارضة القيادات المجتمعة، وقد وقع ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزية على العريضة التي وضعها 115عضواً من أعضاء المجلس الوطني، وكانت العريضة انتقدت طريقة إدارة عرفات للمفاوضات. واللافت للنظر أن الموقعين على العريضة هم من أقرب الأشخاص لـعرفات كـهاني الحسن وأديب الزعنون وعباس زكي. ورأت العريضة أن عرفات تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها المجلسان الوطني الفلسطيني لإدارة المفاوضات مع إسرائيل وفي مقدمة الشروط وقف الاستيطان التي وعد بيكر بوقفها قبل مؤتمر مدريد ثم لم يتحقق هذا الوعد.
    - أشار عرفات بصراحة إلى انزعاجه من الانتقاد الموجه إليه، وأن الود مقطوع بينه 55 وبين عدد من أعضاء اللجنة المركزية لـحركة فتح واقترح كحل لهذا تجميد أعمال اللجنة بصورة مؤقتة والدعوة لمؤتمر موسع للحركة... وهكذا تكون الديمقراطية الفلسطينية وإلا فلا!!.
    رفض الحاضرون اقتراح الختيار، ورأوا فيه هروباً إلى الأمام، وأفهموه أن عليه كسر جمود الوضع التنظيمي والسياسي بما يكفل إنهاء احتكاره للسلطة والمال... وعند تصاعد حدة النقاش صرخ أحد القياديين العسكريين في وجه عرفات (اخرس) بعد أن طالبه عرفات بالصمت وصرخ في وجهه (اخرس يا...) وقد دفع هذا الموقف عرفات للانسحاب مرتين من الاجتماع!.
    - هاجم عرفات هاني الحسن بعد أن تلا كلمته التي شرح فيها مذكرته السابقة وقال: من كلامك واضح أنك حاسس حالك خارج عملية المفاوضات، تنتقد لأني لم أشركك في عملية السلام.. وقد رد عليه هاني الحسن: بأنه لا يجوز الاستمرار في المفاوضات ما لم يضمن الفلسطينيون حكماً ذاتياً ذات سيادة كخطوة لابد منها لقيام الدولة الفلسطينية، من الأفضل أن يقال بأننا كنا جيل صمود وليس جيل تحرير، بدل أن يقال إننا فرطنا في الأرض وأخفقنا في إقامة الدولة.
    - كلف عرفات الدكتور كمال أبو عيسى لإعداد مذكرة للرد على مذكرة هاني الحسن، وقد أطلق عليها (نقد البديع في عودة إلى الينابيع) وقد بدت المذكرة ضعيفة ومحاولة هزيلة لإسكات الأصوات المعارضة لعرفات وحاشيته.
    - أثار زواج عرفات بـسهى الطويل شهية النقد من العناصر الواقعية المرتبطة بـأمريكا وحلفائها، ويردد هؤلاء أن والدة سهى السيدة ريموندا الطويل معروفة بعلاقاتها السرية بالأجهزة الأمريكية وببعض الشخصيات اليهودية، وأن هذا الزواج يتم لحساب جهات مشبوهة!!.
    - خرج المؤتمرون بانطباع أن عرفات بدأ يميل إلى تحالف مع قيادات الداخل، متخلياً عن الرفاق القدماء في المنظمة، وأن زواجه جزء من هذا التحالف، كما أن دعوته لثلاثي السلام المشبوه إلى عمان يتم في هذا الإطار.. عرفات في التحليل النهائي يريد أن يظل في الزعامة ولو غير من الوجوه الثورية السابقة وأحل بدلاً منها وجوه (الهررة) المستأنسة كعشراوي.. هذا الدم الجديد يتم استقطابه إسرائيلياً وأمريكياً وعربياً وربما عرفاتياً... (سأقطع يد أو لسان كل من يمس الوفد الفلسطيني المفاوض بسوء) هكذا صرخ عرفات في وجه تيسير خالد عضو اللجنة التنفيذية 56 الذي انتقد أخطاء الوفد الفلسطيني، متوعداً بمحاسبة كل من يقدم تنازلات مجانية للعدو.
    - في السياق ذاته أحس المناضلون القدامى أن عرفات يسحب البساط من تحتهم بإلغائه المؤسسات القائمة، فقد أوقف صرف رواتب الكوادر المسلحة بحجة نقص السيولة، وحجم دور الصندوق الوطني الفلسطيني، كما ألغى جيش التحرير الفلسطيني ولم يعد له أي أهمية تذكر، وهو أول نجاز وطني فلسطيني كما ألغى الميثاق الوطني الفلسطيني عملياً.
    والنتيجة... أن عرفات مستعد لتقديم ما يملك وما لا يملك ما دام يتصدر الجموع الفلسطينية، وأنه يقوم بتصفية وتفكيك الحرس القديم واستبداله بالأرقام والرموز الأمريكية التي تكفل بقاءه، في المقابل يسعى إلى تفريق خصومه ليسود يدعهم يحتجون لكنه يمضي قدماً في احتكار السلطة والمال... (لن تغير هذه الأصوات من عرفات وأسلوبه، نه يتقن التلون والتظاهر بقبول النصح، لكنه لن يفعل سوى ما يدور في مخيلته)، إذا كان معاونوه يرتبطون بمعسكر إقليمي أو دولي شبه محدد فإن عرفات استطاع الاستمرار بفضل إقناع معاونيه بضرورة ذلك في الوقت الذي تصرف فيه (كجوكر)
    ينتقل من صف لآخر دون أن يرف له جفن وهو أمر لم يكن يتقن القيام به بصورة موازية سوى أبو إياد وأبو جهاد... وإن كان عرفات هو كبيرهم الذي علمهم السحر...
    السؤال: إذا كان هذا التشرذم والانقسام قد أصاب (فتح) الفصيل الأكثر تجانساً... فما هو وضع بقية القوى المشاركة في هيكل منظمة التحرير الفلسطينية؟؟. 57
  2. سيحدثونك يا بني عن السلام!
    عماد الغزي
    قدم إسحاق رابين - بإيقافه المؤقت لإنشاء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وغزة قبيل وصول وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر - دليلاً آخر على أن أسلوبه في التفاوض وتقديم المبادرات المسحوبة تجعل منه مفاوضاً من نوع آخر، كما تجعل الجانب العربي في موقف الدفاع الذي يطلب منه إبداء مزيد من التنازلات وتقديم المبررات لتقاعسه وعدم قدرته على المضي قدماً في عملية التفاوض... لقد شاهد العالم هذا العجوز الصهيوني يعرض بصورة مسرحية مدغدغة للأحلام استعداده لزيارة العواصم العربية طلباً للسلام، وقد لاقى هذا الاقتراح قبولاً لاسيما في وسائل الإعلام الغربية، التي كانت تتجاهل سياسة القبضة الحديدية التي بدأ رابين في ممارستها منذ اليوم الأول لتوليه الحكم وربما كانت محاصرة آلاف الطلاب الفلسطينيين في جامعة النجاح بـنابلس خير مثال لذلك.
    العرب ماذا حققوا من مفاوضات السلام؟:
    يحق لنا إذاً أن نقسم عملية المفاوضات السلمية إلى مرحلتين... المرحلة الشاميرية ثم المرحلة الرابينية... في المرحلة الأولى كانت هناك جولات من المحادثات التي لا تنتهي والتي كانت تجري ضمن إطار أمريكي مدروس كان يهدف إلى الضغط على الجانب الأضعف من المتفاوضين (العرب) حتى أصابهم بالإنهاك التام... إن نظرة فاحصة إلى الجولات السابقة تبين لنا مقدار خيبة الأمل التي كانت تجتاج المفاوضين العرب والمرارة التي كانت تبث، ولذا فإن رابين وبدعم أمريكي كامل 58 سيسعى إلى استغلال خيبة الأمل هذه والعجز التام الذي تلا سلسلة التنازلات ليدير الجولات المقبلة... وفي مقالات سابقة ناقشنا حصيلة الجولات الأولى، وسنركز هنا على الجولات الأخيرة التي تمثل جرداً للمحصلة التعيسة لعملية السلام.
    خيبة أمل:
    أصبحت تصريحات المفاوضين العرب عن خيبة أملهم من أسلوب إسرائيل المتعنت والموقف الأمريكي السلبي مكررة بل شبه محفوظة.. وتجسد تصريحات المفاوضين الفلسطينيين بالذات هذا الشعور فتقول حنان ميخائيل: في كل جولة نتكلم عن الاستيطان ونقدم قضايا وأوراق تتعلق بالاستيطان فيجب الإسرائيليون أن لهم الحق في كل الأرض انطلاقاً من أفكار عقائدية!!... والحقيقة أن هذه النصرانية تتجاهل طبيعة الصراع حينما تقفز إلى مركبة الزعامة لتقود قضية المسلمين الأولى وتعالجها من منطلق علماني باهت أثبت فشله وإخفاقه، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك فتضيف: إن الإسرائيليين يستفزوننا لدرجة أننا لا نحتمل أكثر من ذلك وأنهم يريدوننا أن نصل إلى حافة الانسحاب من المفاوضات... وهذه الكذوب تعرف حتماً أنها لن تنسحب من المفاوضات، فليس لديها من الشجاعة والصدق القدر الكافي للخروج من هذه المفاوضات المعروفة الهدف ثم إنها ربيبة الدعم الإسرائيلي الأمريكي لأمثالها من المفاوضين المفروضين على الشعب الفلسطيني... والثابت أن حيدر عبد الشافي والحسيني وعشراوي يسعون حثيثاً للقبول بأي حل يكفل تزعمهم للمرحلة المقبلة كقادة للاعتدال الفلسطيني، أما جهودهم الحقيقية فليست محسوسة في نتائج المفاوضات بل في هجومهم المستمر على جهاد وانتفاضة شعبهم... إن خيبة الأمل هذه كانت تأخذ صوراً أخرى لرؤساء الوفود العربية الآخرين لاسيما العلاف رئيس الوفد السوري الذي كان يعرب عن أسفه للطريق المسدود لكن دون أن يهدد بالانسحاب، فهذا التهديد من صلاحيات الرئيس السوري المناور!!.
    التقدم إلى الوراء:
    إذا كانت التصريحات المذكورة لازمة الجولات الأخيرة من المفاوضات فلماذا تابع العرب الأشاوس المفاوضات... هل نفترض وجود العامل «+» وهو عامل أمريكي/إقليمي يعني الخروج عن اللعبة الإقليمية الجديدة في المنطقة، العجيب أن الوفود 59 العربية تذيل هذه التصريحات بحواش باتت ممجوجة كحرصهم على السلام وعدم تنازلهم عن الحقوق المشروعة للجانب العربي... فهل هذا صحيح؟؟.
    كان الاستمرار في المفاوضات بالصورة القائمة هدفاً لإسرائيل بحد ذاته.. لقد صرح إسحاق شامير لصحيفة يدعوت أحرنوت الصهيونية أنه لو استمر كرئيس للوزراء فإنه كان سيسعى لاستمرارها عشر سنوات يقوم خلالها بزرع مزيد من المستوطنات وإسكان نصف مليون يهودي في الضفة الغربية ... وبالإضافة إلى المماحكة والتسويف فقد كان تتابع اللقاءات ضرورياً لكسر الحاجز النفسي بين العرب واليهود... وأصبحت وسائل الإعلام العربية تنقل تفاصيل الجولات الجديدة كما تنقل أخبار اللقاءات الودية بين فرق كرة القدم!!، وأصبح لقاء الصهاينة مع الأنظمة العربية أمراً طبيعياً بعد أن كان حتى حرب الخليج خيانة تخرج فاعلها من إطار الدين والعرق والوطنية!!، لقد فهم اليهود ذلك لاسيما رئيس وفدهم المفاوض للسوريين حينما صرح إن استمرار المفاوضات يشغل نجاحاً بحد ذاته أما ديفيد ليفي فصرح قائلاً: العملية السلمية ذات قيمة بحد ذاتها وهذا يتفق تماماً مع وجهة النظر الأمريكية الأمر الأهم بالنسبة لمحادثات السلام هو استمرار هذه المباحثات ودفعها للأمام .
    وهكذا قامت صحف التطبيع العربية لاسيما تلك المسبحة بحمد الطاغوت الأمريكي تصدر صفحاتها بصور المفاوضين العرب واليهود وهم يتعانقون أو يتناولون الشوكولاته سوياً... بل وصل الأمر ببعض المفاوضين العرب أنهم أعلنوا أن هناك مؤامرة إسرائيلية لنسف عملية السلام وأنهم قد اكتشفوا هذه المؤامرة اللئيمة وقرروا إحراج إسرائيل بالمضي قدماً في المفاوضات السرمدية!!.
    - كان واضحاً أن الجولات الأولى من المباحثات هي لجس النبض وتقديم مشاريع ومشاريع مضادة.. ولكون حكومة شامير الصهيونية حكومة منتخبة فإنها كانت تضيع الوقت وتتلاعب بالجدول المطلوب وتركز على القضايا الإجرائية، وكان واضحاً أن الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية شاخصة في ذهن الإسرائيليين الذين 60 وافقوا على مبدأ الحديث دون تقديم مشاريع عمل... أما الجانب العربي فقد كان يقدم تنازلات متتالية لتشجيع الإسرائيليين على استمرار التفاوض وإثبات حسن السيرة والسلوك لراعي المؤتمر الأمريكي الذي كان يتوقع هذه النتائج، كما صرح مسؤول أمريكي لمجموعة الصحافة الدولية ما حصل في الجولات السابقة توقعته الإدارة الأمريكية والمهم أن الأطراف الثلاثة وافقت على أسس التفاوض الثلاث: الأرض والسلام والأمن، وهي نفس القائمة الإسرائيلية التي تستبعد الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ولا تسمح بالنقاش حول مصير القدس...!!.
    - ابتلع المفاوضون العرب شروطهم لبدء المفاوضات واحداً بعد آخر واستمروا في مشوار التفاوض دون خجل أو حياء... وعلى سبيل المثال كان الجانب العربي يشترط وقف بناء المستوطنات خلال المفاوضات (كما حصل أيام كامب ديفيد) وأحيط هذا الشرط بهالة إعلامية هائلة وهدد الفلسطينيون والسوريون بالانسحاب إذا لم ينفذ هذا الطلب... ثم ما لبث هؤلاء أن ينددوا في حال اليأس بالمستوطنات إعلامياً بل إن بسام أبو شريف اعتبر المستوطنات عقبة في طريق السلام، وهو نفس تعبير (العم) بوش الذي كان يوصف بالتميع حيث أن المستوطنات سرقة لأراضي الغير وعمل غير مشروع في المصطلح السابق للمفاوضات
    - تزايد الإرهاب الإسرائيلي في الأراضي المحتلة خلال المفاوضات، وأصبح لبنان ساحة تدريب لطيران جيش العدو وقام هذا الجيش بتدمير قرى بكاملها أمام أنظار العالم وأمريكا والمفاوضين الأشاوس دون تعليق... كما تصاعدت موجات الاعتقال والطرد والاستيلاء على الأراضي بالقوة لاسيما حول القدس... وبينما يستمر إرهاب الدولة والعنف الصهيوني يبحث المفاوضون العرب مع اليهود طرق إزالة العداء بينهم وبين شعوبنا المنكوبة بهذه القيادات، بل تطرح مشاريع التطبيع في المباحثات المتعددة - كما حصل في موسكو - ويجد الحكم الذاتي البشع حماسة من الوفد الفلسطيني المفاوض يفوق حماس بيجن وكارتر واضعي هذا المشروع الظالم.
    - وإذا كانت المباحثات قد تطرقت إلى موضوع الحكم الذاتي والتطبيع نظرياً فإن صوراً عملية لهذه المشاريع التي نادت بها إسرائيل وتبنتها لعقود قد تحققت، فهذه الاستعدادات في الأراضي المحتلة تجري على قدم وساق من أجل الإعداد لانتخابات بلدية ومجالس محلية، فهذا الأسد يرضخ ويسمح ليهود سورية بالسفر كما 61 طلبت منه واشنطن وتل أبيب، وهذه المقاطعة العربية ترخي قبضتها وتجاهر بعض دول الخليج كـالكويت بإلغائها... وبالجملة فالمواقف العنترية التي أبداها العرب عند افتتاح مؤتمر مدريد قد تبخرت تماماً واتضح أنها مواقف استهلاكية لامتصاص الصدمة الناتجة عن الصلح المشؤوم.
    - وإذا كان الجرد السابق هو المحصلة لمفاوضات كان الإسرائيليون يمارسون التعنت والغطرسة ويرفضون أي نوع من التنازلات في ظل السلبية الأمريكية فماذا يتوقع أن يكون موقف المفاوض العربي في المرحلة القادمة التي سيقدم رابين فيها على تقديم بعض التنازلات البسيطة والتي ستتم بالتنسيق مع واشنطن... ثم ماذا إذا هزم بوش وجاء كلينتون الذي يعتبر رهان اليهود القادم في أمريكا... لاشك أن موقف المفاوض العربي سيكون أضعف بكثير وسيطالب بتقديم التنازلات حتى الرمق الأخير كما ستسعى آلة التطبيع الإعلامية إلى تمرير الصفقة لشعوبنا طالما أن الإخفاقات السابقة والهزائم البشعة تحولت بالأمس إلى نصر مؤزر!.
    - مع كل ما أبداه الجانب العربي من تنازلات (لاسيما الوفد الفلسطيني) فإن أمريكا سارعت إلى اتهام الوفد بأنه يركز على النوحي الإعلامية ويتخلى عن الجوهر!! في الوقت الذي كان المفاوض الفلسطيني يستجدي الأمريكان للقيام بدور ما يضغط فيه على الجانب المتصلب. لقد كانت لطمه موجهة للضحية بدلاً من القاتل وصفها حيدر عبد الشافي بأنها غير عادلة ووسمتها حنان عشراوي على أنها تدل على الانحياز الإسرائيلي/ الأمريكي.... لكن حنان هذه فاجأتنا باليوم التالي بتصريح آخر ذكرنا بسياسة التصاريح العرفاتية المتناقضة حينما قالت: أنها لا تمثل موقف الوزير بيكر وأنها لا تعطي وزناً كبيراً لهذا التصريح!!.
    إن قيادات كهذه مستعدة أن تبتلع بعيراً دون أن تغص! أو كما قال المشؤوم الآخر فيصل الحسيني: إنها جزء من العملية السياسية ونحن نتعامل معها على هذا الأساس ، ... لقد لخص شامير المأزق العربي بقوله: إن العرب لا يزالون يتوقعون من الولايات المتحدة أن تضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات، وسيكون من الأفضل لو ساعد الأمريكيون العرب على التخلص من هذا الوهم... 62 إنه الفرق بين زعامات رابين وشامير التي صنعت بيدها هذه القيادات وبين زعامة المفاوضين العرب الذي صنعهم بيكر في جولاته المكوكية وفي أجواء غرف الفنادق!!.
    ماذا سيحققون؟:
    خلال مفاوضات واشنطن وروما كان الإسرائيليون كرماء على طريقتهم الخاصة فقدموا أفكاراً للتعايش السلمي. أو بعبارة أوضح لحكم ذاتي ممسوخ ولبذور عملية التطبيع، كما قال رئيس الوفد الصهيوني المفاوض لقد قدمنا على مائدة المفاوضات أفكاراً جادة تتسم بالكرم فيما يتعلق بالترتيبات المؤقتة ... وحينما قرأ أحد أعضاء الوفد الفلسطيني المشروع صرخ قائلاً : إنهم يستحقون كسر الرقاب وبالرغم من تصريحات الوفد الإسرائيلي المعترضة على العبارة التي اعتبروها تحريضاً على العنف فإن السؤال الحقيقي الذي يسأله المواطن العربي: من الذي يستحق فعلاً كسر الرقاب؛ الصهيوني الثابت على مبادئه وأهدافه... أم المتاجرون بقضيته المزايدون على حقوقه؟ جزء من الجواب يأتي حين نعرف أن الحل الليكودي الذي طرح في المفاوضات هو ذات الحل الذي يتبناه رابين حالياً بعد إضافة بعض الرتوش والبهارات الذي ستعجل من ظاهره شهياً ومقبولاً... هذا الحل يقوم على ثلاث لاءات رئيسية:
    1. لا لدولة فلسطينية ولو متناهية الصغر ومتضائلة السيادة.
    2. لا للانسحاب من القدس العاصمة الموحدة لدولتهم.
    3. لا لإزالة المستوطنات القائمة والمستوطنين الذين يملكون 65% من الأراضي الفلسطينية.
    كل الخلاف يتم حول ترتيب نقل خدمات نقل النفايات (البلديات) وتوزيع الحصص الدراسية (التعليم) والسماح بزراعة الخيار بدلاً من القثاء (الزراعة) إضافة إلى المكاسب الهائلة المتأتية من التطبيع.. .كل هذه الحلول الممسوخة تجعل من الكيان المزمع إنشاؤه معسكر اعتقال كبير يديره جهاز الأمن الإسرائيلي ويقضي في 63 أمره جهاز قضاء إسرائيلي صهيوني.. أما الحديث عن الانتخابات والإجراءات المؤقتة فهي تتحدث عن ممثلين يديرون هذه المسرحية التي هي أقل بكثير من حل كامب ديفيد المشؤوم كما سنذكر في حلقة قادمة إن شاء الله... هذا المشروع الليكودي وصفته حنان عشراوي بأنه موقف إسرائيلي نهائي ، وأن هدف المشروع هو أن توظفنا إسرائيل في جهاز الاحتلال أما الحسيني فقد صرح نحن ذاهبون لجولة المباحثات الخامسة لتحريك الأمور وتقديم بيانات لنواقص المشروع الإسرائيلي .
    هكذا مجرد نواقص... وما عليه لو ألف كتاباً أسماه المستدرك الحسني على المشروع الإسرائيلي. إن هذا الأسلوب الإسرائيلي الذي توظف فيه إسرائيل علم النفس والضغط الأمريكي والهزال العربي أعطى نتائج باهرة ففي الجولة الرابعة قدمت إسرائيل مشروع انتخابات بلدية تبدأ في مدينة واحدة كتجربة... رفض الوفد الفلسطيني العرض ابتداءً ثم عاد فقبل به مع بعض التحفظ لكن الصهاينة عادوا في الجولة التالية وسحبوا المشروع الأول وقدموا عرضاً مختلفاً...!.
    هؤلاء هم يهود أهل المكر والخداع والغدر والمماحكة... غدروا بأنبيائهم وقتلوا الصالحين من رجالهم... أهل الجدال والتساؤلات التي لا تنتهي ولم تضرب عليهم الذلة والمسكنة إلا حينما كان لأهل الإيمان السيادة والسلطان فهم العارفون بحقيقتهم المدركون لجوهرهم... أما هؤلاء الذين يفاوضنهم اليوم فإنهم مجرمون مثلهم وإن تحدثوا بأسمائنا ونطقوا بلغتنا، ودغدغوا عواطفنا بالحديث عن السلام... أو كما قال مشرد فلسطيني لابنه في وصيته:
    سيحدثونك بني عن السلام                         إياك أن تسمع إلى هذا الكلام
    كالطفل يخدع بالمنى حتى ينام            صدقتهم يوماً فآوتني الخيام 64