عبد الله العدناني
أكثر شيء تعاني منه جماهير الأمة - بسبب فقدان الميزان الصحيح الذي تزن به الرجال والأعمال - هو تخبطها في اتخاذ المواقف، وتناقضها، ليس مع نفسها فقط، بل مع المبادئ والثوابت التي تتبناها وتتحرك على أساسها. وأقصد بجماهير الأمة هنا، بعض متعلميها وقطاع لابأس به من شباب الصحوة، ناهيك عن العامة والدهماء. هذا التناقض الذي ذكرته يبرز جلياً في السلوك الجماهيري أكثر منه في الممارسة الفردية. وقد يعود ذلك إلى أمرين: الأول: أن الفعل الجماهيري سلوك جمعي يغيب فيه العقل، الذي يزن الأمور، وينساق الفرد وراء العاطفة الهائجة أو المهيجة. الأمر الثاني: هو دور القيادات في السلك الجماهيري؛ فالقيادة غالباً تقوم بدور الموجه والمهيج لعواطف الجماهير. أما التوجيه فيراد به توظيف ذلك المد العاطفي لتحقيق هدف ما، أما التهيج فهدفه إبقاء الزخم العاطفي على أشده حتى يتحقق الهدف المنشود.
القيادات في هذا الأمر على نوعين: قيادات (سابقة) سايرت الغوغاء وانقادت لطوفان العواطف الجماهيرية، وقيادات (طارئة) ركبت الموجة وسارت مع التيار في سبيل تحقيق مكسب شخصي؛ القيادتان في كلتا الحالتين يحركهما 111 السلوك الجماهيري بتياره العاطفي الغوغائي, وهما في واقع الأمر منقادتان ولا تقودان.
أعود لما بدأت به، وهو تناقض الجماهير مع نفسها ومع مبادئها. إن الجماهير، في غالبيتها لا تفرق بين المناورة السياسية والموقف العقدي. الأولى هي الوسيلة، والأخير هو الغاية عند بعض الأنظمة والتنظيمات؛ أضرب على ذلك أمثلة:
حينما قامت ثورة الرافضة في إيران سارع الخميني إلى (إغلاق) سفارة الدولة اليهودية وأعطى مقرها لـمنظمة المهرج عرفات، فهاجت الجماهير تلهج (للإمام) بالدعاء، وأخذت تترقبه على مشارف القدس يأتي فاتحاً؛ لكن (الإمام) علق بوحول أطماعه الطائفية على ضفاف شط العرب. ثم ما لبث الأمر أن تكشف عن حجم العلاقة (الحميمة) التي تربط (الإمام وثورته) بالدولة اليهودية، وبذلك من خلال ما عرف بـ (إيران - جيت)، وغيرها من الفضائح التي ليس آخرها ما كشفه الضابط الأمريكي أوليفر نورث، في كتابه الذي صدر أخيراً بعنوان (b>under fire) أو (تحت القصف).
المثال الثاني وهو حديث نسبياً، ونتائجه كانت كوارث حطمت الأمة ومزقتها: في العام الماضي أعلن المهيب الركن، حارس البوابة الشرقية، صدام حسين أنه سيحرق (إسرائيل)، أو نصفها على ما أذكر (!!) بالكيماوي المزدوج, تباشرت الجماهير المتعطشة لشيء من العزة والكرامة، في ظل ملوك ورؤساء الذل والعار والخيانة، وهاجت وماجت، وانتظرت صدام، متناسية حقيقته البعثية المنحرفة، كما تناست من قبل أن الخميني رافضي باطني خبيث. انتظرته على مشارف القدس محرراً، وهو الجلاد الذي أفنى شعبه. الجماهير و(بعض) قياداتها التي اكتوت من قبل، كررت خطأها السابق، لأنها تفتقد الميزان الصحيح، كانت النتيجة أن ظهر صدام في الكويت، وليس القدس، ليجر على الأمة خراباً ودماراً وتسلطاً أمريكياً مجرماً، يتضاءل أمامه كل ما حل بالأمة من كوارث على مر تاريخها.
في هذه الأيام هناك فخ آخر ينصب لهذه الجماهير التي (صفقت) لـفاروق الشرع حينما رفع صورة الإرهابي شامير في مدريد، متهماً إياه بالإرهاب (...)، وكأنما نحتاج لخادم النصيري لنعرف جرائم شامير وإرهابه.
الفخ الذي نتحدث عنه يأتي هذه المرة أيضاً من دولة الرافضة في إيران. رفسنجاني رئيس إيران الرافضة، يتباكى على الشرق العربي الذي باعه عبيد أمريكا الأذلاء مقابل موعد (غرام) يجمعهم بـشامير، قرد بني إسرائيل الذي مرّغ أنوفهم بالتراب وتركهم يذهبون إلى واشنطن عند سيدهم بوش ليقابلوا المقاعد الفارغة. تباً لتلك الوجوه المسخ الذليلة... تباً لسماسرة الشرف والكرامة والعزة.
كم من الجماهير المتعطشة للعزة والكرامة، الذين قتلوا كل معنى لها في النفوس، عبيد أمريكا هؤلاء، كم من هذه الجماهير سوف تشرئب عنقه نحو رفسنجاني الذي يقول: «عار على حكام العرب ما فعلوه. إننا نشعر بالحزن على الشعوب العربية مما يفعل بها، لأنهم جزء من الأمة الإسلامية»؟! *** 112