حسن عودة
قبل انعقاد مؤتمر مدريد بأسابيع أثيرت بشكل واسع النطاق قضية الخلاف الناجم عن تأجيل ضمانات القروض الأمريكية التي طلبتها إسرائيل من أجل الاستعانة بها على استيعاب مزيد من المهاجرين السوفيات الصهاينة ليستعمروا أرض فلسطين في موجة جديدة من الاغتصاب الجماعي لم يعرف لها التاريخ المعاصر مثيلاً، وبمباركة «الأسرة الدولية» التي تقف الولايات المتحدة على قمتها مشجعة ومسرورة وهي ترى الحلم الصهيوني يتحقق ويتوسع على الأرض المباركة.
وفي هذه الأثناء برز هناك خلاف بين الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية على «موعد» تقديم المال الكافي لسرقة مزيد من الأرض الفلسطينية، هذا في الوقت الذي تتفق فيه الدولتان على معظم القضايا المحورية والرئيسية الهامة.
لقد كان أسلوب عرض الخلاف الهامشي مثيراً، وقامت وسائل الإعلام بإبرازه وتضخيمه بصورة مشوقة... لكن هل هناك خلاف حقيقي وجوهري بين البلدين؟ ولماذا أثير هذا الموضوع بهذه الصورة المدوية؟ وما هي المصلحة في إثارته في هذا الوقت بالذات وأين تصب هذه المصلحة؟ وهل أدركت الولايات المتحدة عقب حرب الخليج وانهيار المعسكر الشرقي فداحة جريمتها وانحيازها للجانب المغتصب والمتغطرس؟ وأسئلة أخرى نحاول أن نجيب عليها من خلال رسم إطار أوسع لجذور هذه العلاقة الفريدة في تاريخ الدبلوماسية المعاصرة، ومن ثم وضع هذا الحدث ضمن هذا الإطار41 دون تضخيم أو تحجيم.. ولعلنا ندرك من خلال هذا الاستعراض فداحة خطأ التحليل الاختزالي (micro analysis) والتهميشي حين يأخذ حادثة معينة ويفصلها عن السياق العام والاستدلال المنطقي الصحيح.
إن استعراض جذور وأسس العلاقة بين عدونا الظاهر المغتصب (إسرائيل) والعدو المتظاهر بالعدل والإنصاف (الولايات المتحدة) أمر تقتضيه هذه المرحلة الحرجة والحادة من تاريخنا المعاصر لاسيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الأنظمة العربية قد ركبت قطار السلام الأمريكي ووضعت كل رهانها على عدالة ونزاهة الوسيط الأمريكي، في الوقت الذي يدرك الجميع أن هذا الوسيط الذي يتظاهر بالعدل والقسطاس تربطه روابط خاصة بالجانب الآخر.. هذه العلاقة الخاصة تقتضي الأحداث وتسارع الخطوات نحو «السلام» الأمريكي أن نذكر بها ونستعرضها، لاسيما وأن محاولات جادة وجهوداً عاتية تحاول أن تظهر أن العلاقة الأمريكية/ الإسرائيلية تمر بأزمة قوية ومفترق طرق، وجاءت حادثة القروض الأمريكية لتعطي هذه التفسيرات الاختزالية المبسطة فرصة لترفع صوتها وتعزف نشيدها المتيم والمشيد بالوسيط الأمريكي الذي قرر أن يكون عادلاً ومنصفاً ونزيهاً في فرضه للحل السلمي القادم في الأفق.
  1. جذور العلاقة الأمريكية الإسرائيلية
    إن الناظر إلى طبيعة العلاقات الإسرائيلية الأمريكية لابد وأن يثيره هذا النوع الغريب من العلاقة بين هاتين الدولتين، دولة عظمى متغطرسة ومجرمة بحق الدول الصغيرة، وأخرى صغيرة الحجم تمارس عنجهية وغطرسة لا مثيل لها حتى على ربة نعمتها، دولة تقوم على أساس علماني (نظرياً)، وأخرى تقوم على مبادئ دينية عنصرية، دولة تعتبر زعيمة النظام الرأسمالي وأخرى تتبنى نظاماً اشتراكياً شبه كامل، وبالرغم من هذه الفوارق والتناقضات فإن التعمق والنظر المتأني في الروابط والمصالح المشتركة بين هاتين الدولتين يعطينا مفهوماً أوضح وأوسع عن هذه العلاقة، والتي وصفها نعوم تشومسكي في كتابه المثلث المشؤوم: «بأنها علاقة فريدة لا مثيل لها 42 في تاريخ العلاقات الدولية» ، ويصفها الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر بقوله: «لقد آمن سبعة من رؤساء الجمهورية أن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة. لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة، لا يمكن تقويضها لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه» ، كما نبه بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي العرب إلى هذه العلاقة بقوله: «إن على العرب أن يفهموا بأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لا يمكن أن تكون متوازنة مع العلاقات الأمريكية العربية، لأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي الذي يتعزز باستمرار بواسطة النشاط السياسي لليهود الأمريكيين» .
    لقد دفعت هذه العلاقة الغربية الكثير من الكتاب والباحثين في هذا المجال إلى نعت هذه العلاقة بصفات متباينة، «فمنهم من يصفها بأنها علاقة سيطرة تمارسها الصهيونية على الولايات المتحدة من خلال مؤسسات مالية واقتصادية وثقافية وانتخابية» ، و «منهم من وصفها بأن إسرائيل مجرد أداة من أدوات الإمبريالية» ، ويرجع السبب الرئيسي في غموض هذه العلاقة إلى عدم انطباق مواصفات العلاقة المعروفة بين الدول عليها وإن اختلفت التعليلات والاجتهادات، لكن الثابت والمتفق عليه هو هذا النوع الفريد الذي يبدو في صورة علاقة خاصة تتقمص صوراً شتى فقد تتمثل العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مثلاً في حجم المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية لإسرائيل والتي يزداد حجمها عاماً بعد عام. ويتفق العديد من الدارسين للعلاقات الدولية في أن الدعم المالي هو أهم صور العلاقة الخاصة، وفي هذا النموذج فقد «بلغت المساعدات الأمريكية قرابة الثمانية مليارات دولار أمريكي سنوياً، ويصل نصيب الفرد الإسرائيلي منها ألفي دولار سنوياً» ، في حين «يتوقع أن يكون مجموعها قد وصل إلى 117 مليار دولار 43 أمريكي خلال الثلاثين سنة ماضية» ، «إلا أن أحداً لا يستطيع تقدير الحجم الحقيقي لهذه المساعدات، حيث يتم تمرير كميات كبيرة من هذه المساعدات بطرق خفية وملتوية» .
    «وجاء في دراسة قدمها مكتب الدراسات المحاسبية العامة (جاو) إلى الكونجرس الأمريكي في عام 1983م، أن الحجم الحقيقي للمساعدات المقدمة لإسرائيل تزيد بـ60% عن القيمة المعلنة» .
    وقد تتمثل هذه العلاقة الخاصة في تفاني الرؤساء والمسؤولين الأمريكيين ومنذ عهد الرئيس الأمريكي ترومان وتنافسهم في خطب ود إسرائيل وتقديم الغالي والرخيص لها دون لب منها أحياناً، يقول وايزمن في مذكراته: «إنه قابل الرئيس ترومان في 19 / 11 / 1947م وتحدث إليه بشأن فلسطين وأبلغه عن قبول اليهود بتقسيم النقب بينهم وبين العرب، على أن تكون العقبة من نصيب اليهود، بيد أن ترومان طلب من الوفد الأمريكي في الجمعية العمومية بأن يعمل على أن يكون النقب كله والعقبة أيضاً من نصيب اليهود» .
    ويبرز هذا التعاطف بصورة أكبر خلال الحملات الانتخابية الرئاسية، حتى أن إحدى الصحف الأمريكية نشرت رسماً كاريكاتورياً مفاده أن أحد المرشحين للرئاسة الأمريكية تعهد في حملته الانتخابية بأن تظل إسرائيل جزءاً من أمريكا فرد عليه المرشح الآخر متعهداً بأن تظل أمريكا جزءاً من إسرائيل!!.
    وفي انتخابات عام 1988م، أعلن جورج بوش بأن زوجته متعاطفة جداً مع اليهود في إسرائيل، فما كان من منافسه دوكاكيس إلا أن رد عليه قائلاً لئن كانت زوجة خصمي متعاطفة مع اليهود فإن زوجتي يهودية لحماً ودماً وهوى» . 44
    ويمكن أن يعزى ذلك الطابع الفريد للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية إلى جوانب رئيسية محورية وهي:
  2. أولاً: الجانب العقائدي
    على الرغم من أن قلة من الكتاب والباحثين في طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قد أشاروا إلى أثر هذا الجانب في طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إلا أن لهذا الجانب أكبر الأثر في تأصيل وترسيخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وتمييزها حتى على المستويين الشعبي والرسمي. (راجع مجلة السنة عدد 11، وعدد 12).
    فالصراع هنا أولاً ضد المسلمين، وهذا كافٍ لأن ينسى اليهود والنصارى كل خلافاتهم وتناقضاتهم، وأن يتحدوا ويجمعوا كل قواهم ضد هذا العدو المشترك مصداقاً لقوله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ))[المائدة:51]. ويقول سبحانه: (( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ))[البقرة:217]، ويقول: (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ))[البقرة:120]. وهذه الآيات وغيرها كثيرة صريحة في أن اليهود والنصارى بل وجميع أهل الباطل يتكاتفون للقضاء على الإسلام وأهله بل إن الشواهد التاريخية ومنذ عهد رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا لتزخر بالأدلة الدامغة على ذلك.
    إضافة إلى ذلك فإن الفكر المسيحي البروتستانتي، والذي تعتنقه النسبة الكبرى من الشعب الأمريكي والبريطاني، متأثر جداً بالتوراة اليهودية ويرى في قيام دولة إسرائيل تحقيقاً لنبوءات الكتاب المقدس ولإرادة الرب. ولهذا فقد وجه القس أوليفر كروميل رئيس الاتحاد البروتستانتي في عام 1600م «نداء يحث فيه النصارى على مساعدة اليهود الراغبين في التوجه لفلسطين لإقامة كيان لهم هناك يمهد لنزول المسيح» ، وفي عام 1839م وجه اللورد انتولي كوير نداء آخر مشابهاً لنداء كروميل، «هدد فيه بأنه مالم يتوجه اليهود لفلسطين فإن المسيح لن يعود ثانية» ، وتقول دائرة 45 المعارف البريطانية «إن الاهتمام بعودة اليهود إلى فلسطين قد بقي حياً في الأذهان بفعل النصارى المتدينين وعلى الأخص في بريطانيا، أكثر من فعل اليهود أنفسهم» ، ويقول وايزمن في كتابه الخلفية التوراتية: «أتظنون أن اللورد بلفور كان يحابينا عندما منحنا الوعد بإنشاء وطن قومي لنا في فلسطين؟ كلا إن الرجل كان يستجيب لعاطفة دينية يتجاوب بها مع تعاليم العهد القديم» ، ويقول: «إن من الأسباب الرئيسية لفوز اليهود بوعد بلفور هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بـ التوراة» .
    ويصف وايزمن بلفور ولويد جورج وتشرشل «بأنهم كانوا من المتدينين المؤمنين بـ التوراة» . أما في أمريكا فالصورة أوضح وأكثر انتشاراً منها في بريطانيا، ففي عام 1945 «عقد رجال الدين المسيحي الأمريكان مؤتمراً تقدم فيه خمسة آلاف قسيس بمذكرة للرئيس الأمريكي ترومان يطالبونه بفتح أبواب فلسطين لليهود بدون قيد أو شرط» ، وزادت هذه الروح الصليبية منذ نهاية السبعينيات فالقسيس الأمريكي جيري فالويل، وهو من أتباع مذهب العصمة المؤيد لإسرائيل، والذي يتبعه أكثر من عشرين مليوناً من الأمريكيين ، يقول: «لا أعتقد أن في وسع أمريكا أن تدير ظهرها لشعب إسرائيل وتبقى بعد ذلك في عالم الوجود فالرب يتعامل مع الشعوب بقدر ما تتعامل هذه الشعوب مع اليهودي» ، ويضيف: «إن إسرائيل اليوم هي إسرائيل الله» ، ويقول: «إن اليهودي هو بؤبؤ عين الله، ومن يؤذي اليهودي فكأنه يضع أصبعه في عين الله» .
    ويقول القس مايك إيفانس: «إن بقاء إسرائيل حيوي لبقائنا» ، ويقول القس 46 كارل ماكانتاير: «إن على من يؤمن منا بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، أن يهب الآن لمساعدة جيراننا اليهود فما أعطاهم الله يحق لهم أن يمتلكوه، ولا يجوز أن يقايضوا على الأراضي التي كسبوها» .
    أما الرؤساء والدبلوماسيون الأمريكيون فتعاطفهم مع إسرائيل وإيمانهم بها غير خافٍ على أحد، بل إنه قد يصعب حصر الخطب والتصريحات التي تبين ذلك، ويكفي أن نقتصر على بعضها، فالرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر يقول: «إن عاطفتي نحو إسرائيل يشاركني بها أهل الجنوب البروتستانت، وإن الأماكن المقدسة يجب أن يكون بالإمكان أن يزورها المسيحيون وكذلك يجب أن ينال المنتمون للأديان الأخرى نفس الضمانات بالنسبة لأماكنهم المقدسة، وأن المنافسة اليهودية والمسيحية ودراسة التوراة كانت دوماً الوشائج التي تربط بين اليهود والمسيحيين وهي التي كانت جزءاً من حياتي... ويضيف أن إقامة وطن لليهود هنا هو أمر الله وهذه المعتقدات الخلقية والدينية هي التي كانت أساس بقاء التزامي بسلامة إسرائيل ثابتاً ولا يمكن أن يهتز» .
    ويقول السناتور - روجر جبسون: «أعتقد أن أسباب البركة في أمريكا عبر السنين أننا أكرمنا اليهود الذين لجأوا إلينا، وبورك فينا لأننا دافعنا عن إسرائيل بانتظام، وبورك فينا لأننا اعترفنا بحق إسرائيل في الأرض» .
    وبعد فإن هذه المقتطفات والتصريحات، لابد وأن تترك وبشكل قطعي على مدى أثر الجانب العقائدي على خصوصية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فالدين النصراني البروتستانتي لاسيما في صورته الأصولية المعاصرة والذي كانت بريطانيا حاملة رايته ثم حملتها أمريكا من بعدها يجعل وجود إسرائيل وبقاءها واجباً دينياً، بل وسبباً من أسباب البركة، ولعلنا نشير إلى دراسة «الاتجاه الديني في السياسة الأمريكية» لمن يريد المزيد من التفاصيل. 47
  3. ثانياً: الجانب التاريخي الأيدلوجي
    وهو جانب آخر مهم ومؤثر في خصوصية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فهذه العلاقات ترجع من الناحية التاريخية إلى ما قبل قيام إسرائيل، فاليهود كانوا ومازالوا يمثلون جزءاً من الحياة الأمريكية، بل وجزءاً بارزاً في الحياة الأمريكية، فاليهودي هو الأمريكي الثري صاحب الأموال الطائلة وهو صاحب محطات التلفاز والصحف اليومية، وهو صاحب شركات الأفلام، وهو الممثل الموهوب واللاعب المميز إضافة إلى أنه قد يكون الجار والزميل في العمل وغير ذلك.
    إلى جانب ذلك فإن للتشابه الكبير بين نشأة إسرائيل ونشأة الولايات المتحدة دوراً كبيراً في إثارة إعجاب الشعب الأمريكي، الذي تربى على أفلام رعاة البقر ومطاردتهم للهندي الأحمر وعلى أفلام رامبو وغيرها، وهذه الجرائم الأمريكية تكاد تكون صورة طبق الأصل لعصابات الصهاينة وما ارتكبته بحق مسلمي فلسطين.
    يقول جيمي كارتر: «لقد أقام الرواد الأوائل بمساعدة أقوام تجمعوا من كلا الشعبين ومن دول شتى دولتي إسرائيل والولايات المتحدة، فشعبي كذلك أمة لاجئين ومهاجرين» .
    ويقول هارولد سوندرز: «إن التزامنا بأمن وقوة ورخاء إسرائيل لا رجعة فيه... ويشارك العديد من الأمريكيين بهذا الالتزام تجاه شعب قاسى بصورة تفوق ما يستطاع إدراكه ويساهم فوق ذلك بالكثير في تراثنا وفي عالمنا وقد توسع هذا الالتزام وقوي مع الزمن ومع التطور الثابت للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية» .
    ويقول بريجنسكي: «إن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي والذي يتعزز باستمرار بواسطة النشاط السياسي لليهود الأمريكيين» . كما أن العديد من الكتاب الأمريكيين يجعلون من انتصار إسرائيل 48
    في عام 1967 جزءاً من التاريخ الأمريكي المعاصر حيث انتصرت الذراع الأمريكية (إسرائيل) على العرب الهمج وخصوصاً في وقت كانت أمريكا تواجه هزائم فيتنام.. وبهذا يندمج تاريخ إسرائيل بتاريخ الولايات المتحدة عبر هذا الحبل السري.
    من جانب آخر فإن إظهار إسرائيل بصورة الدولة الديمقراطية وسط دول ومجتمعات متخلفة، قد رسخ كثيراً في ذهن الشعب الأمريكي المهووس بالديمقراطية ولذا فإن إسرائيل في العقل الأمريكي هي امتداد للديمقراطية الأمريكية وللحضارة الغربية وحاملة لمشعل الحرية والتقدم وسط ذلك المجتمع المتخلف الفاشي، ولابد من الإشارة إلى أن إخفاق المشروع القومي العربي (الناصري والبعثي) والتحالفات الشيوعية قد ساهمت بشكل واسع في ترسيخ هذه الفكرة.
    يقول السناتور دول: «ليست الصداقة الأمريكية الإسرائيلية حدثاً عارضاً، إنها نتاج قيمنا المشتركة فكلانا ديمقراطي وكلانا دولة رائدة، ولقد فتح كلانا أبوابه للمظلومين وأظهر كلانا شغفاً بالحرية وسرنا للحرب لحمايتها» ، ويقول فادان سفران: «إن الولايات المتحدة قد أثارها النظام الإسرائيلي بديمقراطيته النادرة وسط مجموعة الأقطار العربية الناشئة، كما أثار إعجابها القيم السائدة في المجتمع الإسرائيلي وخاصة قيم الإنجاز والروح الوثابة والمغامرة الجريئة وكلها قيم تعيد ذكرى شباب الولايات المتحدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية كافة» ، وفي المقابل لم يكن للشعوب العربية من قدرة على مواجهة هذا المشروع التوراتي وهي مبتلاة بقيادات الشعارات المضللة وفي ظل غياب الحل الإسلامي عن المواجهة والتصدي للحملة الصليبية/ الصهيونية.
  4. ثالثاً: الجانب الاستراتيجي والمصالح المشتركة
    إنه مما لاشك فيه أن للولايات المتحدة أهدافاً إستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط والتي تدور في محورها حول القيم الاقتصادية للمنطقة، حيث أكبر مخزون نفطي في العالم، فقد جاء في تحليل للإدارة الأمريكية عام 1945: «إن المملكة العربية 49 السعودية مصدر ضخم للقوة الإستراتيجية وواحدة من أكبر الكنوز الثمينة في التاريخ» ، لذا تسعى الولايات المتحدة وبكل ما تستطيع لكسب هذا الكنز والمحافظة عليه، يقول تشومسكي: «منذ الحرب العالمية الثانية تركزت السياسة الخارجية الأمريكية على أن تكون آبار النفط العربية تحت تحكم الولايات المتحدة وسيطرتها، وعلى أن يتم بعد ذلك ضخ الدولارات التي تجنيها الدول العربية من وراء بيع هذا النفط إلى خزانة الولايات المتحدة، وذلك من خلال شراء الدول العربية للأسلحة العسكرية منها، وإنجاز الولايات المتحدة لمشاريع البناء في تلك الدول، وما تبقى بعد ذلك فيتم إيداعه في البنوك الأمريكية» .
    وخلال الحرب الباردة كان الخوف الأمريكي منصباً على المصالح الإستراتيجية في المنطقة والخشية من زيادة النفوذ السوفياتي في المنطقة، أو من خلال قيام ثورات داخلية محلية تغير الأنظمة الحالية، وهو ما صرح به ريغان عند إصراره على إمرار صفقة طائرات الأواكس إلى المملكة العربية السعودية في عام 1985، بقوله: «بأنه لا يمكن بأي طريقة أن نقف ونتفرج على شخص آخر يحصل على السيطرة ويقطع تدفق البترول» .
    ويقول تشومسكي: «إن هذا الخوف من الراديكاليين في المنطقة هو الذي جعل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تزداد قوة ونضجاً» ، وحيث أن الوجود الأمريكي في هذه المنطقة قد يكون أمراً غير مرغوب فيه لدى شعوب المنطقة بل إنه قد يثيرها ويستفزها، ونظراً للضعف السياسي للدول العربية واحتمال انهيارها وسقوطها فإن إسرائيل تمثل بالنسبة للولايات المتحدة الضمان الوحيد لاستمرار نفوذها في المنطقة وحامية مصالحها فيه وصاحبة اليد الطولى لتنفيذ أي هدف عسكري أمريكي إذا لزم الأمر، أو بمعنى آخر شرطي المنطقة الأمريكي، وفي هذا الصدد يقول ستيوارت سيمنغتون وزير سلاح الطيران الأمريكي السابق: إن إسرائيل تمثل لأمريكا «حاملة 50 الطائرات التي لا تغرق» ، في حين يصف النائب الجمهوري جاكوب جافيتش: أهمية إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة بأنها «كمرساة يمكن الاعتماد عليها من قبل العالم الحر في الأمور الإستراتيجية والعسكرية في الشرق الأوسط والبحر المتوسط» ، ويقول جوزيف ماركاموك رئيس مجلس النواب: «إن على الكونجرس أن يدرك أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأدنى التي تستطيع الاعتماد عليها، علماً بأننا لا نستطيع الاعتماد على غيرها» ، ويقول ديفيد جونس رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأمريكية بالوكالة: «إن هذه الأسلحة ليست من أجل أمن وبقاء إسرائيل فقط، وإنما الشيء الذي يجب أن يكون واضحاً هو أن قوة وبقاء إسرائيل كقوة غربية مستقلة في الشرق الأوسط تعتبر مسألة بالغة الأهمية، هذه الدولة الغربية بالمنطقة عامل حيوي للدفاع عن أوروبا وعلى المدى البعيد للدفاع عن أمن الولايات المتحدة» .
    وإذا كانت هذه الرؤى والنظريات تمثل مدرسة مؤثرة أيام الحرب الباردة فإنها اليوم لا تزال مدار دراسة وقبول حتى بعد التدخل الأمريكي المباشر في حرب الخليج، فدول المنطقة العربية مرشحة للاهتزازات كما أن القوى الإقليمية النهمة لا تخفي أطماعها في ثروة الخليج، وفي ظل هذه التحديات ومن خلال الخطوات العملية التي قامت بها أمريكا بعد الحرب فإن إسرائيل كما عبر بوش وبيكر وتشيني تظل رصيداً هاماً في إستراتيجية النظام الأمني الجديد الذي يطلق عليه النظام الدولي الجديد، وكما كان العهد في النظام القديم فستعمل أمريكا على أن تستفيد من إسرائيل لكونها ميداناً عملياً لتجريب الأسلحة الأمريكية الحديثة والفتاكة على رؤوس المسلمين، واختبار مدى فاعليتها على الطبيعة، كما أنها استطاعت أن تحصل عبر إسرائيل ومن خلال حروبها مع العرب على تقنيات وأسرار السلاح العسكري السوفياتي والمستخدم بكثرة في الجانب العربي وربما تعدل هذا الدور بما يتناسب والمعطيات الجديدة. 51
  5. رابعاً: الضغط اليهودي
    وهو من أكثر الجوانب إثارة للجدل في خصوصية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ففي حين لا يخفي اليهود الأمريكيون بل وإسرائيل دورهم في توجيه سياسة الولايات المتحدة ويتفاخرون بذلك، لا يخجل الرؤساء والمسؤولون الأمريكيون من إظهار ضعفهم وعدم قدرتهم على مواجهة هذا الضغط والمسمى باللوبي اليهودي، فهاهو الرئيس بوش يصف نفسه «بالشخص الضعيف في مواجهة قوى سياسية كبيرة وفاعلة» ، فهل حقاً إن اللوبي اليهودي في أمريكا هو الموجه الحقيقي لسياسة الولايات المتحدة؟ أم أن الولايات المتحدة وإسرائيل ترغبان في إظهار مثل ذلك؟ للإجابة على هذا السؤال لابد لنا أولاً من أن نستعرض ولو بشيء من الإيجاز العوامل الرئيسية للدور اليهودي في السياسة الأمريكية.
  6. أ- الأصوات الانتخابية اليهودية
    إن أصوات اليهود الناخبين لا تمثل نسبة كبيرة من أصوات الناخبين حيث لا يتجاوز نسبة اليهود في الولايات أكثر من 2.5% من عدد السكان، لذا فإن تأثير هذه الأصوات ليس بالشيء الكبير، «فعدد اليهود في أمريكا لا يتجاوز الستة. أو سبعة ملايين، من أصل مائتين وخمسين مليوناً، نصفهم في مدينة نيويورك، والنصف الآخر موزع على مختلف الولايات بحيث تسقط نسبتهم إلى 1%، ومتى كان الواحد في المائة صاحب الحل والربط في الانتخابات في أي بلد كان» ، وبالرغم من ذلك يجب أن لا ننسى أمراً مهماً ألا وهو أن «معدل المشاركة اليهودية في الانتخابات القومية يبلغ 90% منهم، وإذا ما قيس هذا بالمعدل القومي بالنسبة لعدد السكان العام الذي يتراوح بين 40% إلى 55%، هذه النسبة الإضافية ذات أهمية خاصة في الولايات المتحدة ذات الأصوات الاقتراعية الرئيسية حيث يحتشد اليهود، ففي ولاية نيويورك يؤلف اليهود ما يقدر بـ14% من عدد السكان إلا أنهم يدلون بما يتراوح بين 16-20% من الأصوات وبعبارة أخرى فأصوات اليهود هامة في ولايات معينة 52 وليست هي التي تحدد الفوز والخسارة على المستوى القومي الأمريكي.
  7. ب- إمكانيات اليهود المالية وقدرتهم على شراء أصوات الناخبين
    إن إمكانية اليهود المالية تمكنهم في كثير من الأحيان من شراء أصوات الكثير من الناخبين بل ومن شراء المنتخبين أنفسهم، ويوضح مقال لصحيفة الواشنطن تايمز بقلم كاتبها إدوارد رودر، بعنوان: «لغة المال مسموعة في الكونجرس»، وبالأرقام مبلغ التبرعات التي حصل عليها أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب في حملاتهم الانتخابية من الجمعيات اليهودية في أمريكا، فيقول: «إن هذه الجمعيات قد ساهمت بما يزيد عن خمسة ملايين وخمسمائة ألف دولار لدعم انتخابات أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب خلال السنوات الست الماضية» ، حتى أصبحت الانتخابات وكأنها إسرائيلية وليست أمريكية وهو ما وصفته صحيفة الجيروزاليم بوست في تعليق لها على الانتخابات الرئاسية لعام 1984م:«إنها تبدو للناظر والسامع كما لو كانت اجتماعاً في منتدى النداء اليهودي المتحد فيقف كل رجل استجابة لضغط أقرانه ويعلن مدى تعلقه بإسرائيل ثم يعرض تعهداته، غير أن هذه التعهدات سياسية بطبيعتها والمنتدى هو وسائل الإعلام الأمريكية والرجل الواقف هو المرشح لأعلى منصب منتخب في أمريكا» .
  8. ج- امتلاك اليهود لوسائل الإعلام الأمريكية
    وهو سلاح قوي من أسلحة اللوبي اليهودي في أمريكا، فاليهود يملكون تواجداً في أغلب الصحف والجرائد والمجلات، ومحطات الإذاعة والتلفاز الأمريكية، ويتجهون إلى استثمار جزء وافر من أموالهم في هذه القنوات وهكذا فإنهم يستطيعون تسخير هذه الوسائل لصالحهم «فهم يشترون الكتاب والصحافيين بأموالهم ويضللون بوسائل إعلامهم الشعب الأمريكي ويغسلون الأدمغة ويلحون على الناس بالفكرة تلو الفكرة حتى يصدقوها صحيحة كانت أم كاذبة... وهم يملكون قوة الإعلان فهم بارعون في هذا المجال والصحافة تحتاج إلى معلنين لكسب الأموال لذا فهي تتودد إليهم 53 وتسترضيهم» . ولا تخفى أهمية كتاب الأعمدة الرئيسية في الصحف التي تنشر مقالاتهم في معظم الصحف المحلية للولايات، فعلى سبيل المثال روزنثال معلق النيويورك تايمز له يومياً ثلاثة آلاف صحيفة عموداً يومياً.
  9. ط- امتلاك اليهود لملفات المرشحين السرية
    وهو من أخطر الأسلحة وأكثرها فتكاً وتستطيع إرضاخ من لا يرضخ بالأساليب السابقة، «فاليهود يملكون الملفات السرية عن رجال السياسة الأمريكيين، وهي تبين كل معايبهم فهي تبحث في ضريبة الدخل وكيف تحايل عليها، في مغامراته العاطفية، في معاملاته التجارية، في وضعه الاجتماعي والأخلاقي، وكل واحد منها يقضي على مستقبل السياسي وآماله فيما لو نشر» ، ويكفي للتدليل على ذلك أن نضرب المثالين التاليين: «لقد أتى نيكسون إلى الحكم بأكثرية ساحقة ولكنه شهر به في قضية ووتر غيت، والتي لم يكن يعلم بها إلا بعد الانتخابات... أما جونسون فهو صاحب أكبر فضيحة من فضائح العصر، والمعروفة باسم كذبة خليج تونكين، حيث قام بالاتفاق مع القيادات العسكرية لمهاجمة الأسطول الأمريكي ليلاً بالطائرات الأمريكية، وأوقع فيه بعض الخسائر والضحايا، وفي اليوم التالي تقدم من مجلس النواب والشيوخ مدعياً بأن الطائرات الفيتنامية هي التي قامت بالغارة فأعطى الصلاحيات المطلقة لتأديب هؤلاء، وبالرغم من ذلك لم يرتفع صوت واحد لفضح هذه الكذبة الكبرى لماذا؟.. لأنه هو أول رئيس أمريكي أجاز للأمريكان تزويد إسرائيل بالمعدات العسكرية المباشرة وهكذا نال ثقة اليهود وعطفهم فتغاضوا عن كذبته التي جرت الكوارث على الشعب الأمريكي» . وبعد فلنعد الآن إلى السؤال الذي طرحناه في أول الموضوع ولنحاول الإجابة عليه وهو: هل اللوبي اليهودي هو الذي يرسم ويسير وينفذ السياسة الأمريكية في 54 المنطقة.. الجواب نعم فاللوبي اليهودي صاحب أثر كبير ودور واضح في الحملات الانتخابية والقرارات السياسية الأمريكية التي لا تختلف فيها مصالح الدولتين، أما حينما تختلف المصالح فيختلف الأمر«فعلى الرغم من السمعة التي يتمتع بها اللوبي الصهيوني في الكونجرس فإنها لم تكسب قضية واحدة قط ضد رئيس راغب في استخدام قوة البيت الأبيض . فهذا ريغان يقول حينما ووجه بقوة في صفقة طائرات الأواكس إلى المملكة العربية السعودية: «ليس لدول أخرى أن تضع سياسة أمريكا الخارجية، وكان في ذلك يشير إلى إسرائيل» ، وهذا بوش يقول في قضية القروض: «أنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية... وإننا في الولايات المتحدة الأمريكية ولنا نظامنا الخاص بنا.. وليس لأحد أن يفرض علينا سياستنا الخارجية» ، أما إذا كانت القضية عادية وتتفق فيها مصالح الطرفين فهنا يترك للوبي اليهودي المجال واسعاً لتأدية دوره، خاصة في مجال المساعدات المادية والعسكرية لإسرائيل، وهنا يكون النقاش «هو حول ما إذا كانت إسرائيل تستحق العقاب أم لا؟ فإن كانت تستحقه فتتم الموافقة على طلب الرئيس المتواضع. أو ما يسمى باستخدام أسلوب القوة ضد إسرائيل، والمتمثل في زيادة حجم المساعدات لإسرائيل، أما إذا لم تكن إسرائيل تستحق العقاب فهنا تتم الموافقة على تقديم مساعدات أكبر بكثير من تلك التي طالب بها الرئيس» . إن التجربة الطويلة والعلاقة المطردة للولايات المتحدة مع أحداث المنطقة لا تخرج عن كونها تراكم هائل من الأدلة على دعم غير محدود للمشروع الصهيوني البشع ومده بكامل أدوات القهر والغلبة، في مقابل إضعاف الجانب العربي وإذلاله واستنزافه.. وإن كان هناك اختلاف في وجهات النظر بين النظرية السياسية الأمريكية وامتدادها الاستراتيجي المتمثل بإسرائيل فإن هذا الاختلاف تفصيلي ولا يمس جوهر العلاقة التي ترسمها المؤسسات الحاكمة والاستشارية والتي يظل الفرد فيها أداة تنفيذية لإطار إستراتيجي يرى العلاقة من خلال جذور وأسس راسخة ***
    للبحث صلة 55