محمد عبد الفتاح
المتصفح لوسائل الإعلام المقروءة هذه الأيام أو من يتابع الوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية يدرك على الفور أن «المقاومة العراقية» أصبحت في قلب الحدث الدولي وصميمه، خاصة وأنها برزت بسرعة غير مفهومة، وغير متوقعة، كما أنها تتنامى بصورة مذهلة، وهو الأمر الذي أربك حسابات كثيرة، سواء عند الأمريكيين أو عند حلفائهم مثل إنجلترا، أو حتى عند الحلفاء الخصوم أمثال فرنسا وألمانيا، بل إن المقاومة فاجأت المراقبين في الدول العربية المحيطة أيضاً، وإن كان هذا الارتباك قد تحول- فيما بعد- إلى «استثمار» سياسي عند دول كثيرة عربية أو غربية رأت في ظهور المقاومة العراقية شوكة في خصر الإدارة الأمريكية ستجعلها تعاني لسنوات طويلة مقبلة قبل أن تخرج وهي تجر ذيول الهزيمة والخيبة والعار.
لقد أصبحت المقاومة العراقية رقماً مهماً في معادلات المنطقة الاستراتيجية، وإذا ما استمرت وتصاعدت تلك المقاومة - وهو الأمر المتوقع نتيجة عوامل كثيرة عراقية وإسلامية وعالمية- فإن كثيراً من المتغيرات ستطال المنطقة.
أول هذه المتغيرات هو أن المخطط الأمريكي للمنطقة سيصاب بكثير من الخلل والعطب، أي أن ذلك المخطط سيصبح في حالة دفاع ومحالة تثبت أوضاعه أكثر 33 مما سيصبح في حالة هجوم وتحقيق المزيد من الأهداف، وهذا يعني مباشرة أن المقاومة العراقية سوف تحمي - إلى حد كبير - سوريا والمقاومة الفلسطينية ولبنان من الهجوم الأمريكي الذي كان متوقعاً. ولا شك أن لهذا الأمر أثراً كبيراً في مجمل الأوضاع في المنطقة، والمقاومة العراقية - أيضاً - ستغري العديد من القوى والدول محلياً وعالمياً بالاستمرار في معارضة أمريكا، أو عدم الانصياع لها، وسوف تشجع تلك المقاومة ازدياد المقاومة الأفغانية مثلاً، وتفاقم وتصاعد حالة معارضة العولمة والأمركة عالمياً، وستدفع إلى المزيد من التصلب في مواقف فرنسا وألمانيا والصين وروسيا.. بالإضافة - بطبيعة الحال - إلى رفع الروح المعنوية العربي؛ ومن ثم زيادة قوة وزخم المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية وتيارات المقاومة للمشروع الصهيوني وما يتصل به من حركات التطبيع ومشروعات التسوية المهينة.
وعلى العكس من ذلك على طول الخط، فلو تم استقرار الوضع الأمريكي في العراق، ولم تظهر حالة المقاومة العراقية، لكان من الطبيعي أن تزداد شهية الذئب الأمريكي الجائع للمزيد من العدوان على دول المنطقة بما فيها - بداية - سوريا ولبنان، والمزيد من الدعم الأمريكي لمشروع شارون الاستيطاني، ولزادت حدة وسيطرة صقور الإدارة الأمريكية ومفاهيم الرؤى الإمبراطورية في الولايات المتحدة الأمريكية.
والمقاومة العراقية هي التي جسمت وأظهرت ما يسمى بتلفيق الأدلة في موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية، فالحديث عن تضليل - كما تذكر ذلك الدوائر المهتمة بهذا الملف - بلير وبوش، أو تلفيق أجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية لتلك الأدلة، وزيادة الضغط الشعبي في بريطانيا وأمريكا في هذا الاتجاه 34 لم يكن ليحدث أصلاً لولا اندلاع المقاومة العراقية وحدوث نزيف الخسائر والقتلى الأمريكيين والبريطانيين بسبب تلك المقاومة، الأمر الذي رفع حالة الاهتمام الشعبي والرغبة في الانسحاب من المستنقع العراقي، ومن ثم البحث في الدفاتر عن الأسباب الحقيقية للحرب وكشف الزيف في هذا الأمر، ولولا المقاومة العراقية لتاهت مثل هذه الموضوعات في ضباب الاستقرار والانحياز والانتصار الأمريكي، أو كانت ستصبح أموراً ضعيفة التأثير في أحسن الأحوال.
اللافت للنظر في هذا السياق هو اندلاع المقاومة العراقية في فترة وجيزة جداً، وهذا دليل في حد ذاته على مدى وعي الشعب العراقي وصلابته، وأن مقدمة سقوط بغداد التي مثلت فاجعة في 9 إبريل عام 2003 لم تسقط وعي الشعب العراقي ولم تسقط حيويته، وهو درس بليغ لكل الشعوب، وهي دليل على أصالة الشعب العراقي العربي المسلم وصلابته، وهو أمر تؤكده حقائق التاريخ والجغرافيا لهذا الشعب العظيم. وأصبح لدينا الأن أكثر من حالة وطاهرة وموقع يستحق الاحترام من الجسد العربي، المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية، وهو أمر جدير بتحقيق نوع من إعادة العافية إلى مجمل الجسم العربي لو تم استثمار تلك الحيوية بشكل صحيح، ولم يتم حصارها والقضاء عليها من الأنظمة العربية سيئة الصيت، أو القوى والمثقفين المهزومين سلفاً.
حالة المقاومة العراقية أثبتت أن حيوية الجسم العربي والإسلامي ليست مجرد استثناءات لا تشكل طاهرة ولا يمكن تقييمها، بل إن ذلك هو الأصل، وهو أمر له مردوده الاستراتيجي والتكتيكي على كل مستوى. وهذا بالطبع يتطلب إعادة النظر إلى الكيان العربي والإسلامي في اتجاه إشاعة روح الأمل، وإشاعة ثقافة 35 المقاومة والتبشير بعصر عربي وإسلامي - بإذن الله - رغم ظلام ويأس المرحلة، الذي طال الأنظمة المتهالكة ولكن لم تمس جوهر الشعوب والحمد لله على ذلك.
المقاومة العراقية إذن اندلعت في وقت قياسي، واستطاعت أن تقوم بعمليات يومية، في أكثر من بلدة ومكان، وفي بعض الأحيان كانت تقوم بأكثر من عملية في أكثر من مكان، وإذا كان الحديث الأمريكي الرسمي يتحدث عن عدد معين من القتلى بسبب المقاومة فإن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، وهذا ما عودتنا عليه آليات التزوير الإعلامي الأمريكي في غير ما موقعة سابقة، ومن المثير أن بلدة مثل الفلوجة المدينة الصغيرة التي يصل عدد سكانها إلى 200 ألف نسمة قامت وحدها بعمليات متميزة، أدت إلى مصرع العشرات من القوات الغازية إضافة إلى الإصابات والانهاك المتتالي لقوات الغزو، وبحيث يمكن القول بعدها أن مدينة صغيرة استعصت على الجيش الأمريكي، وأن من الممكن - بالتالي - أن تصمد أي مدينة أو قرية أمام جحافل أي قوة عدوانية مهما كانت قوتها.
والمفارقة الهامة بالنسبة للمقاومة العراقية أنها ظهرت رغم وجود حالات ومظاهر سلبية كثيرة في الواقع العراقي والعربي، وأيضاً على الرغم من انتشار ثقافة الإحباط ومشاعر الهزيمة وهيمنتها على كثير من النخب العربية، ناهيك عن الهوان الرسمي والمؤسسي العربي، فإنه رغم صدمة سقوط بغداد بطريقة درامية وغامضة، ورغم صدمة التواطؤ الرسمي العربي على العراق ومساعدة دول عربية لآلة العدوان الأمريكي، ورغم تردد قوى إقليمية وعربية في دعم تلك المقاومة لسبب أو لآخر بل رغم تردد قطاعات الشيعة وتنظيماتهم في العراق عن المشاركة في المقاومة 36 حتى الأن - وهم قطاع كبير من الشعب العراقي لو شارك في المقاومة لتغيرت المعادلة تماماً، ولاهتزت الأرض من تحت أحذية العسكر الأمريكي - على كل حال فإن كل تلك العوامل لم تكن عائقاً - رغم خطورتها - يحول دون ظهور المقاومة في منطقة أهل السنة غرب بغداد ومناطق أخرى. واستمرار المقاومة سيدفع بالضرورة المترددين إلى الالتحاق بقطار المقاومة، لأن المقاومة ستعطي مشروعية تاريخية لمن يقوم بها. وبديهي أن أحداً من القوى السياسية أو الدينية في العراق لم يحرم نفسه من تلك المشروعية المستقبلية وإلا كان غبياً، بل أحمق.
لقد أثبتت المقاومة العراقية، كما أثبتت المقاومة الفلسطينية واللبنانية قبل ذلك، أن إرادة الشعوب لا تهزم، وأن من الممكن بل من السهل ضرب القوى الجبارة وإنزال الألم بآلاتها العسكرية والسياسية على الرغم من أية الآلام يمكن أن تسببها هذه الجحافل الغازية في قوى المقاومة، فإنه - وكما أضاء القرآن المجيد الحكمة للمسلمين (( إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ))[النساء:104]، وأنه مهما فعلت القوى الاستكبارية، وحلفاؤها من الحكومات والمثقفين المتخاذلين والمروجين للمشروع الأمريكي الكاذب في المنطقة - المارينز الثقافي- ومهما فعلت استخباراتها فإن المقامة لا تموت، ويكفي أن نعرف جميعاً أن الأمريكان قاموا بزيادة مكافأة من يدلي بمعلومات عن القادة العراقيين السابقين وهذا في حد ذاته دليل على العجز، كما قاموا بعدد من العمليات لمحاولة اجتثاث المقاومة دون جدوى أسموها درع الجزيرة، وعقرب الصحراء، والأفعى ذات الأجراس، وغيرها من الأسماء، ولا تزال المقاومة مستمرة، بل وتحظى المقاومة باحترام الشعب العراقي، ولعلنا نشاهد العراقيين يتجمعون بعد كل عملية حول 37 الآليات الأمريكية المعطوبة بسبب عمليات المقاومة ويلقون عليها الأحذية والأحجار في إشارة رمزية إلى أن كل عراقي يتمنى أن يشارك في المقاومة. وهو أمر له دلالاته المستقبلية، أما الحديث الأمريكي أو حديث بعض المحللين عن أن المقاومة غير منظمة أو أنها مجرد حالة مؤقتة فهو كلام أثبتت الوقائع عكسه لحد الآن له نظراً لحجم الخسائر ونوعية العمليات التي تنفذها المقاومة وانتشارها في قوس واسع من أرض العراق.
ويكفي التقارير الصحفية الأمريكية ذاتها التي تشير إلى أن الجنود الأمريكان يعيشون في رعب داخل العراق، وأن الروح المعنوية لهم أصبحت في الحضيض وأن مشاعر الإحباط تتعاظم بينهم كل يوم، حتى وصلت إلى حد بروز ظاهرة الانتحار التي تحدثت عنها التقارير الإخبارية مؤخراً إذ أن كل جندي منهم يتوقع في أي لحظة أن تقتله رصاصات المقاومة في حين يفقد هو أي إحساس بمعنى لوجوده أو مغامرته، لا أخلاقياً ولا سياسياً، وهو أمر سيحدث ارتباكاً مستقبلياً مؤكداً على المخطط الأمريكي، بل على الإدارة الأمريكية كلها... 38