عرض وتقديم: محمد الحامد
الكتاب هو الجزء الثالث من كتاب «وجاء دور المجوس» وقد كان الجزء الأول عن الشيعة تاريخاً ومعتقداً وعرضاً للثورة أحداثها وقصتها ومعلومات مهمة عن المشاركين فيها، وقد كان الكتاب أول وأهم كتب أهل السنة التي عالجت مسألة الثورة، لما حواه الكتاب من معلومات وحقائق دامغة، ولما كان في الكتاب من استشرافات مستقبلية حدث كثير منها فيما بعد كقضية كشف العلاقة بين الثوار والولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كان الكتاب دليلاً مهماً لـأهل السنة في قضية من أهم قضاياهم المعاصرة في الموقف من الخمينية ثم تلى ذلك الجزء الثاني وكان عن أمل 86 والمخيمات الفلسطينية وقد كشف فيه الكاتب الكثير من العلاقات المعقدة على الساحة اللبنانية والإيرانية والفلسطينية من خلال حديثه عن دور أمل الحركة الشيعية في ذبح الفلسطينيين في لبنان وعرض لكثير من الأحزاب والأشخاص على الساحة اللبنانية.
وهذا الجزء الثالث والذي يعرض الكاتب فيه قضية من القضايا الخطيرة في عالمنا الإسلامي ومسألة من المسائل المهمة لـأهل السنة فيقول:
«وقد أذهلني أن أمراً واحداً تجاهله أعداء الآيات داخل إيران وخارجها، إنه من أقوى الأدلة على همجية النظام وتعصبه الطائفي المقيت» [ص:7]، وهذا الأمر هو قضية أهل السنة في إيران، وبين الكاتب في أول الكتاب بعض الأسباب التي جعلت أهل السنة وغيرهم يسكتون عن مأساة السنة في إيران، فيذكر منها أن موقف البعض من مسألة السنة والشيعة لم يزل غير واضح في ذهنه، ومفهوم الخلاف العقائدي لم يزل غائباً عن تفكيره، وآخرون سكتوا لأن هذا يسبب لهم حرجاً سياسياً مع إيران، وإلا فهم غير راضين عما يحدث لـأهل السنة هناك، وبعض هؤلاء وفي أقطار إسلامية كثيرة السكان يخافون ويهلعون من الشيعة ووعيدهم. كيف وقد قتل هؤلاء الشيعة بعض قادة أهل السنة السياسيين والمفكرين، والهيئات الدولية غير مبالية بما يحدث، ثم إن أهل السنة في إيران ليست لديهم الوسائل الكافية ولا الحرية في إسماع صوتهم إلى العالم، وآخرون وآخرون وكل يدعي العذر لكنها الأمانة ورسالة الحق والإنصاف تقتضي نصر المظلوم، فكيف وهم إخواننا السنة يضطهدون في جريمة ضخمة مسكوت عنها لطغيان الخلافات في السياسة أو جعلها كل شيء حتى لا يعلم الناس ما يدور في الخفاء، والكاتب يطالب أهل السنة بالتحرك لإنقاذ إخوانهم أو الحديث عما يجابهون هناك ويقول: إن الجماعات والصحف الإسلامية لم تقم بالواجب المطلوب منها ولم نسمع أن مؤتمراً إسلامياً عقدته هذه الجماعات لمناقشة قضية أهل السنة والجماعة في 87 إيران، ص8.
«إنه لا يجوز لنا أن نخذل إخواننا هناك، وهم في أمس الحاجة لنا ولدعمنا ومطالبة العالم بالوقوف في وجه الظلمة، وتخفيف محنة إخواننا من المسلمين هناك الذين يعذبون في السجون تعذيباً أشد مما كانت السافاك تفعله فهم يضربون المسلم السني ويعذبونه ويحتجون أثناء التعذيب لـأهل السنة بأنهم (( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ))[الفتح:29]، «إن العذاب الذي يصطليه إخوتنا هناك أعظم مما يخطر ببال الغافلين عن هذه المأساة، وقد نقل المؤلف عدداً من الوثائق ورسائل أهل السنة الموجهة إلى الحكومة الإيرانية وإلى العالم، وفيها يشرح أهل السنة مأساتهم والتي كان من نماذج التعذيب وضع المسجون في الإسطبل حتى يموت، أو ثقب دماغه، وسلخ جلد الرأس، وتقطيع الأعضاء، والجلد إلى الموت»، ص54، «وأنواع أخرى من التعذيب لم يسبقوا إليها، هذا غير ما ذكر من مآسي ومحاربة عقائدية ومحاولة لمسخ المناطق السنية وتشييعها عن بكرة أبيها، أما علماء أهل السنة فقد لقوا من التعذيب ما لم يكن يحدث أيام الشاه الهالك، فهم يعذبون العالم ويسجنونه إذا ذكر الصحابة بخير، ثم يقتلونه أو يتهمونه بالخيانة أو الولاء لـصدام حسين! هذا ما جرى لـمولوي نذير أحمد، وقد كان عضواً في مجلس الشورى الإيراني فقد حاربوه واتهموه وألزموه أن يتكلم في التلفاز عن ولائه لـصدام حسين وأنه استخبارات عراقية ثم اتهموه بالزنا ورجموه»، ص181، وفعلوا مع آخرين ما هو أرذل من ذلك.
حتى الذين كانت لهم مواقف تأييد وبقوا زمناً طويلاً يحسنون الظن بالثورة وبالآيات أصبحوا ضحايا لهم، فهذا الشيخ مفتي زادة وهو من علماء السنة المجاهدين والذين لبس عليهم في بداية الأمر ودافع عن الخميني والشيعة والثورة وأحسن الظن بها على الرغم مما فعلوه به وبـالسنة من أذى هو الآن رهن الاعتقال والتعذيب، وقد كان يعتذر للخميني دائماً ويقول إن السبب هم المقربون منه حتى حين يتجاهله الخميني ولا يقدره في المجلس ويهدده مباشرة فإن مفتي زاده يعتذر 88 وكان يقول للسنة بادي ذي بدء: إن الخميني قد غير آراءه التي كانت ضد السنة، ولكن الشيخ الآن وقف على الحقيقة كما وقف العالم وأهل السنة خاصة في إيران على الصورة الواقعية والوجه الحقيقي الباطني للثورة، وقد بدأ بإنشاء «مجلس شورى أهل السنة» قبل سجنه وهذه مبادرة طيبة من الشيخ.
إن الكتاب شمل أيضاً معلومات عن السنة الذين يقارب عددهم ربع سكان إيران في أربع مناطق مهمة هي كردستان وبلوشستان وخراسان وعربستان «حاشية الخليج» ودرس الكتاب الكثير من القضايا باختصار في غالب الأحيان وأشار إلى العديد من القضايا ذات العلاقة كالصلة بالباكستان وأوضاع الأكراد، وواقع علماء السنة في إيران وبعض بشائر الخير بإقبال بعض علماء الشيعة على منهج السنة وقبولهم لعقيدة أهل السنة، وهذه من بوادر الخير والمبشرات، ودليل أن الحق مهما كانت محاربته فإنه منتصر.
وفي الكتاب وخاصة في رسائل ومناقشات علماء السنة دراسة نقدية مختصرة لدستور إيران وفيها ملاحظات مهمة على انحراف دستورهم عن الإسلام وحتى عن المذهب الجعفري والنزعة العلمانية في إضافة معاملة أهل السنة كأقلية تشابه غيرها من الطوائف غير المسلمة كـاليهود.
ويختم الكتاب هذا العمل المشكور بالإشارة إلى حالة العرب والخوف الذي يلف مجتمعات السنة في إيران والتي أضحت سجناً لا يطاق يزيد على ألمهم من غفلة إخوانهم عنهم حتى أن بعضهم لما طلب منه معلومات عن حالهم في إيران أبى أن يعطي أي معلومات خوفاً على نفسه ثم قال: إن أحداً لن يعمل شيئاً من أجلنا فنحن نتضرر بهذه المعلومات وليس من السنة من يعين إخوانه في محنتهم، ويلمح المؤلف إلى أنه لا يجوز لنا الحياد في مسألة كهذه، بل على كل مسلم أن يشارك بالاحتجاج والتوعية بما يحدث لإخواننا أهل السنة في إيران وأن يهب المدرسون والخطباء والوعاظ لتنبيه المسلمين إلى حال إخوانهم، وأن يذكروهم بأن هؤلاء الرافضة هم الذين وقفوا إلى جانب التتار في اجتياحهم لـبغداد ومع الصفويين والبرتغاليين ضد العثمانيين ومع اليهود ضد العرب، ومع السوفييت ضد الأفغان ومع الهندوس ضد المسلمين في باكستان والهند. 89