أحمد بلوافي
  1. 4ـ وما النصر إلا من عند الله
    حقيقة لا بد أن تتجذر في القلوب وأن تترسخ في النفوس لينبعث جيل الهمة العالية الذي ينطلق في هذا العالم نحو هدفه الأسمى، ألا وهو مرضاة الله عز وجل والتمكين لدينه، غير متثاقل إلى الأرض بسبب العقبات الكثيرة التي تعترض طريقه المحفوف بالمكاره، وليرتبط فوق ذلك المؤمن بحبل لا ينقطع من كثرة الاستخدام وتعلق المستخدمين، بل يزداد متانة وصلابة كلما حسن استعماله على الوجه الذي بينه الله عز وجل.
    قال الحق تبارك وتعالى ممتناً على عبادة المؤمنين: (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ))[آل عمران:123-126]. 97
    وقال عز من قائل: (( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[الأنفال:9-10].
    وقال جل ذكره: (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ))[التوبة:25-26].
    يعلق الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله على الآية الأخيرة من النص الأول الذي سقناه قائلاً : «وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم، (( إِلَّا بُشْرَى ))[آل عمران:126]، يعني بشرى يبشركم بها، (( وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ))[آل عمران:126]، يقول: وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم، (( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ))[آل عمران:126]، يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله، لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة. يقول: فعلى الله فتوكلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإن نصركم إن كان إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف، فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة، أحرى فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم فإن الله ناصركم عليهم اهـ.
    وينقل ابن جرير عن مجاهد رحمه الله عند قوله: (( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ ))[آل عمران:126]، يقول: «إنما جعلهم ليستبشروا بهم وليطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم98 يومئذ - يعني يوم أحد - قال مجاهد: ولم يقاتلوا معهم يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر» اهـ. وعن ابن إسحاق: (( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ))[آل عمران:126]، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم إلي، لا إلى أحد من خلقي اهـ.
    ويختم ابن جرير تعليقه على الآيات قائلاً: «وأما معنى قوله (( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[البقرة:129]، فإنه جل ثناؤه (( الْعَزِيزُ ))[البقرة:129] في انتقامه من أهل الكفر به بأيدي أوليائه من أهل طاعته، (( الْحَكِيمُ ))[البقرة:32] في تدبيره لكم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من أهل الكفر وغير ذلك من أموره. يقول: فأبشروا أيها المؤمنون بتدبيري لكم على أعدائكم ونصري إياكم عليهم، إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به، وصبرتم لجهاد عدوي وعدوكم» اهـ.
    ويعلق الأستاذ سيد قطب رحمه الله على آيات سورة الأنفال قائلاً : «لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغيثون، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين.. ومع عظمة الأمر ودلالته على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان الله؛ إلا أن الله سبحانه لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سبباً ينشيء نتيجة، إنما يرد الأمر إليه - سبحانه - تصحيحاً لعقيدة المسلم وتصوره، فهذه الاستجابة وهذا المدد، وهذا الإخبار به.. كل ذلك لم يكن إلا بشرى، ولتطمئن به القلوب. أما النصر فلم يكن إلا من عند الله ولا يكون.. هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا، حتى لا يتعلق القلب بسبب من الأسباب أصلاً.. لقد كان حسب المسلمين أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية؛ وأن يغالبوا الهزة الأولى التي أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعي، وأن يمضوا في طاعة أمر الله، واثقين بنصر الله.. كان حسبهم هذا لينتهي دورهم ويجيء دور القدرة التي تصرفهم وتدبرهم.. وما عدا هذا فكان بشارة مطمئنة، وتثبيتاً للقلوب في مواجهة99 الخطر الواقعي.. وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة. ثم يجيء النصر من عند الله وحده، حيث لا يملك النصر غيره، وهو (( الْعَزِيزُ ))[البقرة:129] القادر الغالب على أمره، وهو (( الْحَكِيمُ ))[البقرة:32] الذي يحل كل أمره محله.. » اهـ.
    ويعلق رحمه الله على آيات سورة التوبة قائلاً : «.. هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش عدته اثنا عشر ألفاً فأعجبتهم كثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول، فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه؛ ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصقت به.
    والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية، وبانفعالاتها الشعورية: (( إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ))[التوبة:25].
    فمن انفعال الإعجاب بالكثرة، إلى زلزلة الهزيمة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب.
    (( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ))[التوبة:26].
    وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الانفعالات الثائرة. (( وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ))[التوبة:26]، فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها.. وما يعلم جنود ربك إلا هو.. (( وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ))[التوبة:26]، بالقتل والأسر والسلب والهزيمة: (( وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ))[التوبة:26].. » اهـ. 100
    ويمضي قائلاً رحمه الله: «إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد على قوة غير قوته، لتكشف لنا حقيقة أخرى ضمنية، حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة، إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هو القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة، وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة؛ فيعيشون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.
    لقد قامت كل عقيدة بالصفوة الممتازة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح!.. » اهـ.
    وهكذا يسطر الله في هذه الآيات المحكمات أن النصر من عنده وحده وأنه هو الذي أمد به المؤمنين في مناسبات عديدة، والذي يعود - على سبيل المثال - لموطن واحد من تلك المواطن، وهو غزوة بدر الكبرى معركة الفرقان، يجد العناية الإلهية المحكمة لترتيب هذا الأمر من بداياته من حيث تهيئة الأسباب المادية والمعنوية له إلى نهايته التي تمثلت في تحقيق الظفر بالأعداء بالنسبة للمسلمين ودحر الشوكة بالنسبة للكافرين.
    فلا المسلمين أو الكافرين كانوا خرجوا لملاقاة بعضهم من أجل القتال على المبدأ أو العقيدة التي يحملها كل فريق، لا لم يكن الأمر كذلك، ولكن لحكمة أرادها العزيز الحكيم وهي إحقاق الحق وإبطال الباطل (( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ))[الأنفال:8]، غير نية كل فريق لتتحول المعركة في نهاية المطاف إلى معركة خالدة فصلت بين الحق والباطل: 101 (( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ))[الأنفال:5-7].. (( وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ))[الأنفال:42].
    والملفت للنظر في السورة التي تناولت أحداث هذه الغزة - سورة الأنفال - أن الله سبحانه وتعالى لم يتحدث عن البطولات التي قدمها المسلمون والهزيمة النكراء التي حلت بأعدائهم بقدر ما ركز على مصدر المدد والعون وهو الله جل ذكره في أن تكون نتيجة المعركة على النحو الذي جرى.
    والأمر الآخر الجدير بالتأمل هو أن السورة ابتدأت بالحديث عن جزئية متعلقة بتلك المعركة ألا وهي «الأنفال» وما قد تحدثه من فساد ذات البين لأن حدوث مثل هذا الأمر يحول دون تنزل نصر الله عز وجل ثم التركيز على الأعمال التي تزيد الإيمان مثل تقوى الله وإصلاح ذات البين والصلاة والإنفاق في سبيل الله، وبقدر ما يقوى إيمان المؤمنين فإن صلتهم بربهم تزداد فيستحقون بذلك العون والمدد من الله، والرشد والاهتداء إلى الوسائل التي تعينهم على ذلك.
    فلا بد لمن يريد التمكين لدين الله أن يقف عند هذه المعاني ليوفيها حقها ويقدرها قدرها ليتمكن من استخلاص الخطوط العريضة التي تشكل الخطوات العملية التي يجب القيام بها، إذا ما أريد لنصر الله أن يتحقق.
    وأولى هذه المعاني هو اليقين التام بأن النصر من عند الله لا من غيره، لا من بيت أبيض أو أسود وليس بالمكر أو الدهاء، أو كثرة العدد والعدة، فالأسباب المادية التي لابد من الأخذ بها يجب أن تأتي في المرتبة اللاحقة والمتممة لليقين التام بأن النصر من عند الله العزيز الحكيم الذي يمثل العدة الأساسية بالنسبة للمؤمن. 102
    وهنا لابد من التأكيد على أن هذه المعاني لا تتحقق من فوق الكراسي في الجامعات أو الأرائك في المكتبات والمراكز، وإنما تثبت في النفوس وتترسخ من خلال الأحداث. فالمسلمون الأوائل تعلموا هذه الدروس واستوعبوها حق الاستيعاب من خلال تلك الغزوات والوقائع التي سبقتها أو تلتها والتي مثلت البوتقة التي انصهرت من خلالها معادنهم، وهذا ما يؤكد ما ذكرناه في الحلقات السابقة من أن الإنسان المؤمن لا يُمكَّن حتى يبتلى. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله موضحاً طبيعة علاقة المؤمن بوعد الله : «والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة، فهذا الواقع هو الباطل الزائل الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة. لعلها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم، وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة من بطش و من ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية. ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الانهيار ويحمي شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها، ومن خضوعها للطغيان الغاشم إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه.. حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى، يجده في هذا الواقع بدون حاجة إلى الانتظار الطويل (( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[المجادلة:20-21]. وعلى أية حال فلا يخالج المؤمن شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود. 103
    إن وعد الله قاطع جازم (( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ))[غافر:51] بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذباً مطروداً. وإن المؤمنين فيهم من يسام العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود وفيهم من يستشهد، ومنهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد.. فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل ويفعل بها الأفاعيل.. ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير. إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان وحيز محدد من المكان وهي مقاييس بشرية صغيرة.. فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر ولا بين مكان ومكان، ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك. وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها. فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها. وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها.. » اهـ.
    ولهذا يمكن القول: أنه إذا كان النصر الذي يتطلع له المسلمون يخضع للمعايير المادية البحتة لما انتصر المسلمون وهم «أذلة» ولما هزموا وهم «كثرة» ، وإنما يخضع بالإضافة إلى ذلك إلى معيار التجاء المسلمين وتوكلهم على مصدر النصر والتمكين وهو الله الواحد الأحد، وقد بسط الله سبحانه وتعالى القول في هذه المسألة في غير تلك المواطن التي ذكرناها آنفاً، قال جل ذكره: (( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ))[غافر:51]، وقال: 104 (( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ))[الروم:4-5]، وقال: (( وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ))[الفتح:3]، وقال: (( إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ))[آل عمران:160].
    ولقد أشربت قلوب من اصطفاهم الله لحمل رسالاته وهم الأنبياء والمرسلون بهذا الأمر ولا غرو في ذلك فهم المنارات التي يهتدي بها وطريقهم هو السبيل الأوحد لتحقيق كمال العبودية لله في كل حال بما يقتضيه المقام. وكدليل على يقينهم بهذا الأمر فقد كانوا يكثرون من الدعاء واللجأ إلى الله سبحانه وتعالى في كل الأحوال وذلك حتى تبقى صلتهم بمصدر عزهم ونصرهم مرتبطة على الدوام، فها هو نوح عليه السلام بعدما لاقى من العنت والاعتراض من قومه يقول: (( قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ))[المؤمنون:26]، ويقول بعد أن استفرغ جميع السبل معهم: (( أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ))[القمر:10]، والذين جاءوا بعد نوح من الأنبياء والمرسلين ساروا على نفس النهج من إكثار اللجأ إلى الله والإلحاح في ذلك، فهذا لوط عليه السلام يقول بعد أن اشتد إعراض قومه عنه، وأبوا إلاَّ أن يسيروا وفق ما تمليه عليهم رغباتهم ونزواتهم: (( قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ))[العنكبوت:30]، وهذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون إذا واجهوا أعداءهم: (( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ))[البقرة:250]، وقال سبحانه: (( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ))[البقرة:286].
    وإذا ما قررنا هذا الأمر - أن النصر من عند الله - وأكدنا عليه فمما هو مكمل لذلك أن النصر لا يتحقق إلا بشروطه، ووفق القوانين والسنن التي تحكم سير المجتمع البشري، ولن يتم ذلك بخارق للعادة غير مألوف، وإن كان الله لا105 يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، كما أن جنوده لا يعلمهم إلا هو. لكنه سبحانه وضع من خلال الآيات المتلوات، ومن خلال التاريخ الطويل للصراع بين الحق والباطل أن جميع الأمور لابد أن تستوفي حقها ليتطابق بذلك المكنون في عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله مع عالم الشهادة ليتبين للناس أن ما نزل إليهم من آيات محكمات لابد وأن يستجيبوا لندائها ويعملوا بمقتضاها ليسيروا وفق منهج محدد المعالم، ثابت الخطى، ناقلاً لهم من مرحلة إلى أخرى إلى أن يتحقق: (( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ))[الأعراف:128]، قال جل ذكره: (( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ))[محمد:4]، ويقول الحق جل ثناؤه: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ))[محمد:7]، (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ))[الحج:40]، (( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ))[هود:113]، (( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ))[الأنعام:34]، (( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ))[يوسف:110].
    يقول الإمام القرطبي رحمه الله معلقاً على آيات سورة آل عمران التي تحدثت عن غزوة أحد : «إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته، واتقوا محارمه أن يمدهم أيضاً في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلاَّ في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة. وقيل: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله المدد إن صبروا، فما صبروا فلم يمدهم بملك واحد، ولو أمدوا لما هزموا، قاله106 عكرمة والضحاك» اهـ. ويواصل تعليقه قائلاً: «نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى، وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب، (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ))[يس:82]، ولكن أخبر بذلك ليتمثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل، (( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ))[الأحزاب:62]، ولا يقدح ذلك في التوكل.. » اهـ.
    ومن خلال ما سبق ذكره يمكن إجمال ما بسطنا القول حوله في أن المؤمنين يجب أن يوقنوا، مثل يقينهم باليوم الآخر وغيره من أمور الغيب، أن النصر من عند الله، ليعملوا بعد ذلك للأخذ بالأسباب والشروط التي وضعها لهم خالقهم ومدبر أمرهم والتي تؤهلهم في أن يستحقوا نصره ومدده.
    وختاماً أقول: هذه جملة من المعاني والمفاهيم أحببت الحديث عنها في هذه الحلقات وستجمع مع ما لم ينشر لتصدر في بحث مستقل إن شاء الله.
    اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين... 107