قال تعالى:(( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ))[المؤمنون:71].
خلق الله الإنسان وميزه على غيره من الدواب التي أوجدها بنعمة العقل الذي يستطيع بواسطته أن يميز الصحيح من السقيم والضار من النافع، غير أن لمدارك هذا العقل حدوداً لا يمكنه تجاوزها وبه من القصور ما لا يمكن تلافيه وتقليل مخاطره إلا إذا أذعن لما يطلبه منه خالقه ومصوره.
وفي هذا النص الذي بين أيدينا دليل ساطع على أن الأمور لو نفذت وفق رغبات البشر وأهوائهم لاختل نظام الكون الذي قام على أساس الإيمان والعدل.
فالرب جل في علاه يقرر بأن الحق لو ابتع أهواء البشر لفسدت السموات والأرض ومن فيهن. وقد ذكر المفسرون للحق الذي ورد في هذا النص ثلاثة أقوال: الأول، أن المقصود بالحق هو الله سبحانه وتعالى، وقد عزا القرطبي هذا القول للأكثرين، والثاني، أن المقصود بالحق القرآن، والثالث أن المقصود به الحق الذي هو ضد الباطل. 94
فعلى تقدير القول الأول يكون المعنى : «لو أجابهم الله لتشريع ما أحبوا تشريعه، وإرسال من اقترحوا إرساله، بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك تابعاً لأهوائهم الفاسدة، لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن، لأن أهوائهم الفاسدة وشهواتهم الباطلة، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض وذلك لفساد أهوائهم واختلافها. فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع» اهـ.
وقد ذكر الحق تبارك وتعالى الآيات الدالة على أن أهواء البشر لا تصلح أن تكون محددة للحق ولا يمكن أن تكون متبعة في ذلك، منها قوله تعالى: (( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ))[الزخرف:31]، وقوله: (( قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا ))[الإسراء:100]، وقال جل في علاه: (( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ))[النساء:53]. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «ففي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتدبيره لخلقه سبحانه وتعالى علواً كبيراً» اهـ.
وعلى تقدير الرأي الثاني يكون المعنى : «... ولو سلك القرآن طريقهم، بأن جاء مؤيداً للشرك بالله، واتخاذ الولد، (تعالى الله عن ذلك) وزين الآثام واجتراح السيئات، لاختل نظام العالم كما جاء في قوله: (( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ))[الأنبياء:22]، ولو أباح الظلم وترك العدل لوقع في الناس هرج ومرج، ولوقع أمر الجماعات في اضطراب وفساد، والمشاهد في الأمم التي يفشو فيها 95 التخاذل والذلة والمسكنة يؤول أمرها إلى الزوال، ولو أباح العدوان واغتصاب الأموال وأن يكون الضعيف فريسة للقوي، لما استتب أمن ولا ساد نظام، وحال العرب قبل الإسلام شاهد صدق على ذلك، ولو أباح الزنا لفسدت الأنساب وما عرف والد ولده، فلا تتكون الأسر، ولا يكون من يعول الأبناء، ولا يبحث عن رزق، فيكونون شرداً في الطرقات لا مأوى لهم، ولا عائل يقوم بشؤونهم، وأكبر برهان على هذا ما هو حادث في أوربا الآن من وجود نسل بزواج غير شرعي مما تئن منه الأمم والجماعات...» اهـ.
وعلى تقدير التفسير الثالث يكون معنى الحق :«... لو فرض كون الحق متبعاً لأهوائهم، التي على الشرك بالله، وادعاء الأولاد، والأنداد له ونحو ذلك، لفسد كل شيء لأن هذا الغرض يصير به الحق، وهو أبطل الباطل، لأن استقامة نظام العالم لا تمكن إلا بقدرة وإرادة الله هو الحق المنفرد بالتشريع، والأمر والنهي كما لا يخفى على عاقل...» اهـ. ويقول الطاهر بن عاشور : «...[الحق هو] الشيء الموافق للوجود الواقعي ولحقائق الأشياء، وعلم من قوله: (( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ ))[المؤمنون:71] أن كراهة أكثرهم للحق ناشئة عن كون الحق مخالفاً أهواءهم فسجل عليهم أنهم أهل الهوى، والهوى شهوة ومحبة لما يلائم غرض صاحبه، وهو مصدر بمعنى المفعول. وإنما يجري الهوى على شهوة دواعي النفوس أعني شهوات الأفعال غير التي تقتضيها الجبلة، فشهوة الطعام والشراب ونحوهما مما تدعو إليه الجبلة ليست من الهوى وإنما الهوى شهوة ما لا تقتضيه الفطرة كشهوة الظلم وإهانة الناس، أو شهوة ما تقتضيه الجبلة لكن يشتهى على كيفية وحالة لا تقتضيها الجبلة لما يترتب على تلك الحالة من فساد وضر 96 مثل شهوة الطعام المغصوب وشهوة الزنا، فمرجع معنى الهوى إلى المشتهى الذي لا تقتضيه الجبلة» اهـ.
ولا تعارض بين هذه الأقوال الثلاثة بل بعضها يكمل بعض؛ فلا يمكن للمشرع (الله سبحانه وتعالى)، ولا للتشريع (القرآن)، ولا نتيجة التشريع (الحق) الذي به صلاح العباد، في عاجلهم وآجلهم، أن تكون تابعة لأهواء البشر فينضبط أمر الوجود ويسير نظام الكون دون خلل ولا اضطراب.
فبسبب اتخاذ البشر أرباباً مشرعين من دون الله، واستبدال القرآن بغيره شرعاً ثم خضوع نتيجة التشريع إلى أهواء الناس تفرض قوانين وأنظمة لا تزيد المشكلات إلا تعقيداً وطمأنينة المجتمع ورخاؤه إلا ضيقاً وضنكاً.
والذي يسبر غور المجتمعات البشرية وتطورها في يومها وأمسها يجد كم دفعت وتدفع من الضرائب نتيجة الخنوع والخضوع لأهواء البشر وآرائهم وجعلها المصدر الأساسي لكل تشريع.
ومن الفساد الذي نعيشه هذه الأيام استجابة الساسة والمشرعين لرغبات كل الشرائح الاجتماعية بما فيها الشواذ خلقياً وجنسياً من المخنثين وغيرهم الذين انتكست فطرهم وأصبحت كالكوز مجخياً، لماذا حصل هذا؟ لأنهم يشكلون نسبة لا بأس بها من المجتمع فلابد من أخذ ما يطالبون به من حقوق!! في البرنامج الانتخابي للمرشح أو الحزب حتى لا يخسر أصواتهم. وقس على ذلك باقي الأمور من برامج التعليم وما يجب أن يسمح به أو لا يسمح من المجلات والأفلام الخليعة والاتجار بجسد المرأة وغيرها من الأمور التي تدل على المستوى المنحط الذي تصل إليه فطرة الإنسان عندما لا يضبطها إلا ضابط الرغبة والشهوة، وعندما تتصرف بعيداً عن الوحي الذي يمثل السياج الذي يقيها من الوقوع في حمأة المضار التي تهوي بها في دنياها وآخرتها. 97
ومن المفاسد التي تتخبط فيها البشرية اليوم نتيجة أتباعها لأهوائها انتشار الظلم وفشوه على المستوى العالمي وأصبح الشعار المطبق (لا مكان للضعفاء)، و(البقاء للأقوى)، يتجلى ذلك في المنظمات التي توسم بالدولية أو الأممية مثل الأمم المتحدة وغيرها، وكيف أن حفنة من الدول أو دولة واحدة تتحكم في أنظمة سير تلك المؤسسات والقرارات التي تصدر عنها، فتعرقل ما لا ترغب في تمريره، ومالا يحقق هوى مصالحها، وتفرض في المقابل ما يخدم مصالحها حتى وإن أفنى - ذلك القرار - وأباد شعوباً وأمماً بأكملها، أفبعد هذا الذي جرى ويجري يمكن أن يستند البشر إلى تشريع بشر أمثالهم ليتحقق الأمن والرخاء والعدل والسلام تحت مظلة نظام عادل مستقر، سبحانك هذا بهتان عظيم. 98