همام عبد الملك الشامي
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن أن النظام السوري ربما أصبح مستعداً أن يبحث موضوع علاقته بـالإخوان، وأن شيئاً ما يجري في هذا الصدد. ومن ذلك الإشارات التي وردت في حديث الشخصية الدينية المقربة من سدة الحكم، وكذلك ما تحدثت عنه قيادات الإخوان في الأردن عن وساطات أمين يكن التي لا يمكن أن يقوم بها دون إذن النظام، بين النظام وهذه القيادات، ورسالة التعزية التي أرسلها الرئيس إلى أهل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ثم تصريح وزير الإعلام السوري بأن الهوة بدأت تضيق بين النظام والإخوان.
وكان النظام قد رد على التقولات التي فسرت هذه الخطوة بأنها تغير في موقفه من الإخوان، وجاء الرد على لسان مستشار الرئيس للشؤون الدينية بالتأكيد على أن لا تغير، وأن من أحب أن يدخل من الناس الذين في الخارج بشكل فردي، ويتبراً مما فَعَل ! ويعلن توبته فلا مانع، وأما العودة التي يفهم منها أن النظام كان على خطأ فلا. أو كما قال فضيلة المستشار. 2 ومنذ أن بدأ النظام يعلن عن إطلاق سراح المئات ممن كانوا معتقلين منذ الأحداث التي أعقبها ملاحقة كثير من القطاعات الإسلامية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات؛ كان هناك تأكيد يرافق هذه الإطلاقات والإفراجات، ويصم هؤلاء بالإرهاب والعنف وحوادث القتل بأسلوب يتراوح أحياناً بين التصريح والمداورة والإيهام الذي يفهم منه الذين ليسوا على علم صحيح. بما جرى أن هذه الآلاف التي مكثت سنوات طويلة في السجون والمعتقلات (دون محاكمات) متورطة فعلاً في حوادث القتل وحمل السلاح التي حدثت في سورية آنذاك. هذا الإغماض المقصود والاتهامات الفضفاضة التي كانت تتلقفها الصحافة العربية الرسمية، وصحافة البترودولار التي خلا لها الجو هذه الأيام، فتزيد عليها من تزويرها وتهويلها المقصود أيضاً، ومن شماتتها وفرحها بما. جرى في سورية والإشادة به وجعله مثالاً يجب أن يتحذى ويكرر في كل بلد عربي... هذا الإغماض والإيهام لا بد من جلائه وقول كلمة حوله إحقاقاً للحق، وخروجاً من عهدة البيان والتبليغ.
1- النظام مقتصد جداً في الحديث عن هذه المسألة، والكلام فيها محسوب عنده بالحرف، وموزون بميزان. الذهب فمن جهة يترك الناس يتخرصون كما يحلو لهم والمقصود بالناس هنا: من هم خارج سورية، فإن كان كلامهم صحيحاً من الوجهة الموضوعية والتاريخية فلا ضرر منه، لانسداد أبواب الداخل عنه، وإن كان كذباً صرفاً أو مشوباً بالكذب فكذلك لا يضر وإن وصل، وإن وجد أنه لا بد قائل كلمة فيحرص أن لا تشفي هذه الكلمة غليلاً، ولا تزيل التباساً ولا حيرة عند من ينتظر من النظام موقفاً واضحاً، والسبب في ذلك طبيعة النظام نفسها وفلسفته في التعاطي مع الأمور ثم 3 موقفه من هذه المسألة بالذات، حيث إن المنتصر يشعر بأنه عزيز منيع، ولا يمكن أن تملي عليه شروط يراها وأصحابها لا شيء، وبخاصة وهو يعيش نشوة الانتصار، ويحيط به التصفيق والإشادة من كل الجهات، ألم يقل المتنبي:
وما في سَطْوةِ الأربابِ عيبٌّ                        ولا في ذِلَّةِ العُبدان عارُ !
ولذلك فإن النظام عندنا يقول: الإخوان فعلوا.. الإخوان اعتقلوا.. الإخوان أطلق سراحهم... فقوله هذا تبسيط مخل، واستخدام للألفاظ والأوصاف مجحف، فالناس الذين طوردوا ولوحقوا ونكبوا ليسوا كلهم إخواناً، وكذلك الناس الذين فروا وشردوا من ديارهم، وانتشروا في أصقاع الدنيا، وذاقوا من جراء ذلك ما لا يعلم حدوده إلا الله من الذل والمعيشة الضنك والعسف والإهانات... ليس كل أولئك إخواناً، فقد امتلأت السجون والمعتقلات، وازدحمت المنافي والبلاد القريبة والبعيدة بسوريين من كافة التوجهات الإسلامية، ففيهم الإخوان، وفيهم المشايخ المستقلون، والعلماء الذين لا يتبعون تنظيماً، ولا يؤمنون بتنظيم، والصوفية الذين لا يتعاطون السياسة، وفيهم السلفيون! فكيف يُخْتَزَلُ هؤلاء وكثير غيرهم ويوضعون تحت لافتة واحدة وهم حقيقة ليسوا كذلك؟ والدولة تعلم علم اليقين ذلك، ولا تستطيع أن تقيم الدليل على أن كل من اعتقل أو تشرد متعاطف مع الإخوان، فضلاً عن انتساب أو تنظيم.
نقول هذا لا لكي نقلل ما أصاب الإخوان، فقد وقع عليهم من الإرهاب والفظاعات ما هو معروف للعدو والصديق، والذي لا شك فيه أن كثيراً منهم لم يكونوا راضين عن الأعمال التي سببت لهم أشد أنواع التنكيل والقهر. 4
2- كلما جاء ذكر الأحداث التي حدثت في سورية، وموقف النظام من قضية الانفراج الداخلي؛ برزت مشكلة حمل الإسلاميين السلاح وارتكابهم حوادث القتل والتفجير. والنظام يعلم أيضاً من أرشيفه الغني الذي راكمه عبر هذه السنوات العجاف أن الذين حملوا السلاح قلة قليلة جداً بالنسبة إلى الإسلاميين عموماً، ويعلم علماً مؤكداً أيضاً أن أكثر الإسلاميين ليس فقط لم يحملوا السلاح؛ بل هم غير راضين أصلاً عمن حمله؛ فكيف تربط هذه المسألة بهم بعامة، وتطفو على سطح الحديث عند كل مناسبة يذكرون فيها؟! إن من بدهيات الشرع الإسلامي أن لا تزر وازرة وزر أخرى. ومن مبادئ القانون الوضعي الذي تدرسه الدولة في كليات الحقوق ويقوم عليه نظامها القضائي، أن لا جريمة ولا جزاء إلا بنص، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته؛ فكيف يرضى النظام لنفسه أن يزج بالآلاف من الناس في أسوأ أنواع السجون، ويشرد الآلاف من شعبه، ويستهين بهذه المقادير من الطاقات، متجاهلاً المبادئ البدهية البسيطة التي لا تقوم قائمة لمجتمع سّوِيًّ بدونها، فضلاً عن أن يكون مجتمعاً طبيعياً مزدهراً معافى!؟
3- إذا كان بعض الإسلاميين قد حمل السلاح ولجأ إلى العنف - وهذا واقع، ومن الحماقة إنكاره أو تجاهله - ويطلب منهم النظام الاعتراف بذلك وتحمل المسؤولية عنه وإدانته؛ فينبغي أن يعترف النظام أنه هو أيضاً قد لجأ إلى عنف غير مُسَوَّغ من جهة؛ وأن ناساً كثيرين قد نكبوا وعوملوا على طريقة: «أخذ الوليُ بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم، حتى أصبح الرجل يلقى أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سُعَيدَ» 5 وهكذا لا يصح ولا يستقيم توجيه اللوم كله إلى طرف دون الآخر في قضية اللجوء إلى العنف وحمل السلاح، فهي قضية سياسية على كل حال، وتواجه الأمم والدول مثلها دائماً، وتعالج بالطرق الحضارية المتوازنة المعروفة، لا أن يكون حق الكلام فيها لطرف واحد، والطرف الآخر ليس له إلا الصمت.
4- وبناءً على كل هذا فبأي حق عومل أغلب الإسلاميين في سورية - ولا زالوا - هذه المعاملة التي لا نستطيع تصنيفها تحت أي بند، فأقصوا عن وظائفهم، وعطلت مصالحهم، ولوحِق أهلهم حتى وإن كانوا يخالفونهم الرأي بسببهم لمجرد صلة الدم، وأوصدت عليهم أبواب المعتقلات الرهيبة، وشرد الكثير منهم عن ديارهم؛ فذاقوا الذل من كل الألوان، وضاعت أوقاتهم وجهودهم في الرشاوي التي يدفعونها للحصول على حق بسيط لهم كجواز السفر أو رؤية ولد في سجن؛ بل أكثر من ذلك: دفع المبالغ الطائلة التي قد تكون آتية من بيع أحدهم ما تحته وما فوقه من أجل أن يعرف فقط: هل ابنه حي أو ميت!؟ دع عنك تعطيل الطاقات الجبارة التي كان يمكن أن تعود على بلدهم بالخير والعمران.
وأمر آخر لابد من التنويه به، وهو أن الجو الرهيب الذي ساد بسبب هذه الملاحقات وفَّر بيئةً صالحةً لضعاف النفوس الملتصقين بالنظام - ومن المألوف وجود هؤلاء في مثل هذه الظروف في أي نظام - فاستغلوا ظروف المحنة أبشع استغلال، وأثروا - مثل تجار الحروب - ثراء غير مشروع باستثمارهم الآم الكثيرين الذين أصبح عندهم المال لا قيمة له بعد أن فقدوا الأمن والطمأنينة 6 إن المسلم لا يمكن إلا أن يكون وطنياً إذا كانت الوطنية حب البلد والتضحية من أجل تقدمه ورفعته، ولا يجوز لا شرعاً ولا منطقاً ولا عرفاً أن يشكك أحد مهما كان ومن كان بوطنية المسلم الذي يعتز بالإسلام، وهذا تاريخنا القريب والبعيد يشهد بأن المسلم لم يكن في يوم من الأيام غير وفي للأرض التي درج عليها، وأنه لا يتركها إلا مضطراً غير مختار، متأسياً في ذلك بنبيه صلى الله عليه وسلم حين قال عن بلده مكة: ( ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي َّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك ).
ونشير هنا إلى الذين يلوكون هذا الاتهام بعدم الوطنية أو بضعفها عند الإسلاميين، ويتملحون بهذا الافتراء السمج السخيف حيث يدللون على أن الإسلامي، [وهو المسلم المتعصب بعرفهم] لا يمكن أن يكون وطنياً، إذ يعتبر المسلم التركي أو الباكستاني أو غير العربي بعامة أخاه! ولا يعلم هؤلاء - أو يعلمون ولكن يتجاهلون - أن المسلم حين يرى أن المسلم في أقاصي المعمورة أخاه لا يجحد وطنه، ولا يبيعه بيعة بخس، ولا يتنازل عنه هكذا!! بل ينظر إلى إعزازه وتعضيده وتوسيعه، فكل ذي عقل يعلم أن نظرة المسلم عالمية رحبة، وليست إقليمية متحجرة متكلسة ضيقة.
إن الظلم الذي حاق بقطاعات الإسلاميين العريضة في سورية شنيع بكل المقاييس، ونتكلم عن طرف منه عن معرفة مؤيدة بلذع التجربة، وهو الطرف الذي أصاب كثيراً من السوريين الذين أخرجوا من بلادهم تحت تأثير ظروف غير طبيعية، بل إن شظايا هذا الظلم أصابت كل سوري خارج البلاد في وقت من الأوقات، سواءً كان معروفاً باتجاهه الإسلامي، أو غير معروف، فيكفي 7 أن يغيب فترة عن البلاد ليكون على قائمة المشبوهين على الأقل وعند أول رجعة له يخضع لتحقيقات مهينة، ولو فرض أنه نجا عن عواقب المساءلة فلا أقل من أن يعرض عليه أن يتعاون مع السلطة فيما هو ضد قناعاته الشخصية البحتة؛ فيوضع في موقف حرج سواءً قبل أو اعتذر.
ولم يقتصر الظلم والتنكيل على الإسلاميين وحدهم، بل إن الإنصاف يقتضينا أن نعترف أن هذا الظلم والبطش أصاب كثيراً من الأفراد والفئات التي تخالفنا الرأي، بل ورأيها فينا غاية في التحامل ومجافاة الإنصاف؛ ولا شك أن المعاناة بسبب الظلم واحدة، ومذاقه مر، سواءً وقع علينا أو على غيرنا، والمسلم يأنف من العسف، وينفر من الاعتداء على الحقوق سواءً وقع ذلك عليه أو حتى على عدوه، فهو مطالب أن يكون منصفاً في كل حالاته، ومرتبة العدل وإنصاف الخصوم درجة فوق الحب وفوق الكراهية.
وعندما نؤكد ونكثر على كلمة: [أصحاب الاتجاه الإسلامي] فإننا لا نعني جماعةً أو حزباً أو منظمةً قليلة العدد أو ما شابه ذلك؛ بل نقصد الجانب العريض من الشعب السوري؛ لأن سورية منذ الفتح الإسلامي لم تعرف لها هوية غير العروبة التي تحمل الإسلام رسالة إلى العاملين، ولم يعتز أهلها - على اختلاف مشاربهم - اعتزازاً حقيقياً بعيداً عن أجواء القهر والقسر بغير الإسلام.
والآن بعد هذه اللمحة عن بعض ما وقع على أصحاب الاتجاهات الإسلامية من مظالم؛ قد يسأل سائل: ماذا تريدون من ذلك، وهل تطمحون إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟! والجواب 8 إن الناس الذين شردوا من أهل بلدنا ينشدون العودة دون أخذ عهود ومواثيق مذلة، أو إعلان توبة عن ذنوب وهمية تلتصق بأكثرنا دون مبررات، ولا يريدون لأنفسهم ولأبنائهم أن يعيشوا غرباء عن أوطانهم، ولكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون التنازل عن كرامتهم ومعتقداتهم والتعبير - بكل حرية - عن آرائهم التي يؤمنون بها.
هذا، وسوف تبقى هذه البلاد منصورة بالإسلام، عزيزة بأهله، مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ( كنا يوماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للشام! فقلت: لِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليها ). [رواه الترمذي وحسنه] 9