جهاد الأستاذ
«مبادلة الأرض بالسلام» شعار زائف، يكذب آخره أوله، فأرضنا في فلسطين ليست ملكاً لمنظمة أو مؤسسة لتستبدلها بشيء آخر، واليهود أعداء للسلام، ليس لهم عهد ولا ميثاق، ويستحيل أن يتعايشوا مع أية أمة من الأمم، وتاريخهم الموغل في الغدر أكبر شاهد على ذلك.
وقد أفتى علماؤنا منذ أكثر من عشرين عاماً بعدم جواز الصلح مع العدو الصهيوني مقابل التنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين، واهتمت منظمة التحرير بهذه الفتوى أيما اهتمام، فطبعتها ووزعتها على نطاق واسع، ولم يكن هذا الاهتمام ناتجاً عن اقتناعهم بفتاوى علماء المسلمين، أو استعدادهم للالتزام بهذه الفتاوى.. وإنما كان سبب هذا الاهتمام موافقة هذه الفتوى لقناعتهم في تلك المرحلة حيث كانوا يرددون بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.. وكانوا يرون أنه ليس هناك أي فارق بين نظام العدو الصهيوني وإدارة البيت الأبيض.
وتغيرت قناعات كثيرة عند قادة المنظمة كانوا يرونها أصولاً لا ينبغي الخروج عليها، ومن خرج عليها اعتبروه خائناً.. ومن هذه الأمور التي تغيرت تغيراً معاكساً:
موقفهم من الولايات المتحدة الأمريكية، فهم يرون أنه لابد من الحوار معها، لأن 99.9% من أوراق القضية الفلسطينية بيد الأمريكان.
وكما قلت في المقال السابق: «القضية الفلسطينية وحوار المنظمة مع 17 الولايات المتحدة الأميركية» فإن الاتصالات بين الطرفين بدأت بشكل سري، وكان قادة المنظمة يقولون في تصريحاتهم أموراً مغايرة لما يجري في الخفاء... ومنذ عام أو يزيد قليلاً أصبح الحوار علنياً، وفي بدايته كانت هناك قرائن كثيرة تؤكد فشله، فالتنازل كان يتم من قادة المنظمة، وحجم هذه التنازلات كان كبيراً، والأميركان ما كانوا يخفون تحيزهم لإسرائيل، واستصغارهم للمنظمة.
ونقلت في المقال السابق اعتراف قادة المنظمة بفشل ما أسموه حواراً، ونقدهم لمواقف أمريكا العدائية وخضوعها المستمر للابتزاز الصهيوني كما نقلت قولهم على لسان - صلاح خلف - بأن سياسة الأميركان مناورة لضرب المكسب الأساسي للحركة الوطنية الفلسطينية، وخلال الشهرين الماضيين تردد أن الأمريكان جادون في الحوار، وأنهم يمارسون ضغطاً على الحكومة الإسرائيلية.. وظن الناس أن لقاءً قريباً سيعقد في القاهرة يشارك فيه المصريون والأمريكان واليهود يتلوه لقاءً آخر تشارك فيه المنظمة والحكومة الإسرائيلية، وتعددت التصريحات التي تقول: ستنسحب إسرائيل من الضفة والقطاع وتقوم الدولة الفلسطينية المرتقبة... غير أن هذه الآمال تلاشت وعاد قادة المنظمة يتحدثون عن فشل مبادرتهم.
وسوف نختار فيما يلي مقتطفات من مقابلة صحفية أجرتها صحيفة المصور المصرية مع ياسر عرفات بتاريخ 19 / 1 / 1990م، ثم ننقل مقتطفات أخرى من أقوال بعض زعماء المنظمة، ثم نجيب على سؤال مهم: هل كان الذي جرى بين المنظمة والأمريكان حواراً أم خداعاً؟!
قال ياسر عرفات:
«السبب الأساسي وراء الموقف الإسرائيلي المتشدد هو الموقف الأمريكي.. 18
وإني أعلن هذا الأمر لكي يسمعه الرئيس «بوش» إن الموقف الأمريكي هو السبب المباشر والأساسي وراء تشدد إسرائيل، فليس من المعقول أن تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية «الفيتو» ضدي 6 مرات خلال عام واحد فقط.. أي بمعدل «فيتو» كل شهرين!!
وهل يعلل هذا الموقف الشاذ من الإدارة الأمريكية بأن تحتج على دولة أخرى كبرى وهي الاتحاد السوفيتي، والذي يعتبر حتى الآن «سوبر بور» يستطيع تدمير العالم خمسين مرة، على قرار اتخذه مجلس السوفييت الأعلى برفع تمثيلنا من مكتب إلى سفارة؟! إن هذا الإجراء عمل من أعمال السيادة ولا يجوز لأحد الاعتراض عليه.
ولم يقتصر الموقف الأمريكي عند هذا الحد، بل قامت بتخفيض ميزانية منظمة «غوث اللاجئين» من 64 مليون دولار إلى 18 مليون دولار لاتهامها «للفاو» بتقديم مساعدات للفلسطينيين بالتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية.. فهل يعلل هذا الأمر في الموقف نفسه الذي تزداد فيه المعونات الأمريكية لإسرائيل بكل أنواعها، بما فيها الأسلحة الإستراتيجية وحرب النجوم ثم يقومون بتخفيض تبرعاتهم في العام الماضي لمنظمة «غوث اللاجئين» 18 مليون دولار.. فهل افتقرت أمريكا بسبب هذا المبلغ الذي تقدمه للاجئين؟! عموماً إذا لم تستح فافعل ما شئت!!
كل هذه المواقف هي التي تشجع إسرائيل.. ومن حق إسرائيل أن تتشدد أمام كل هذا «التدليع» الأمريكي.. 6 فيتو في عام واحد..! وتبرعات وأموال وأسلحة بدون حساب.. وضغط أمريكي لصالحها في جميع المنظمات الدولية.. أليس الضغط الأمريكي هو سبب عدم حصولي على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة؟. وأليست أمريكا هي التي منعت أيضاً انهيار حكومة الائتلاف في «إسرائيل»؟! ألم تعلن أمريكا رسمياً أنه يجب أن تستمر حكومة التحالف؟ 19
*المصور: إذا كنت غير مطمئن لـ أمريكا إلى هذا الحد ففيم أملك الآن؟!
*أبو عمار: أمريكا هي التي تعاديني.. وهل أستطيع أن أهرب من عدوي.. أنا لا أعاديها.. ولكني لا أهرب.. بل أواجه هذا العدو.
*المصور: الحوار الفلسطيني - الأمريكي إلى أي حد وصل؟
*أبو عمار: أنا آسف أن أعلن أن شولتز وزير الخارجية السابق كان أكثر إيجابية في مفاوضاته معنا عن بيكر. فقد أعلن شولتز في بيانه أنه عندما يعترف الفلسطينيون بقراري مجلس الأمن رقمي 242، 338 فإننا سنعترف بهم ونقيم معهم حواراً... وندعوهم إلى حضور المؤتمر الدولي.. ومن حق الفلسطينيين أن يطالبوا من خلال هذا المؤتمر الدولي بدولة مستقلة.
ولكن هذا البيان الذي أعلنه شولتز بدأ بيكر يتراجع عنه يوماً بعد يوم.
وإن كان بيكر قد أعلن أنه يجب أن تعلم إسرائيل بأن حلم التوسع الإسرائيلي قد انتهى.. كما أن «بوش» أعلن انتهاء الاحتلال الإسرائيلي ولكن الممارسة الواقعية تختلف تماماً عن هذه التصريحات!!
وهنا أتساءل ما الذي حدث في براغ؟.. أليس إصابة 17 مواطناً فقط!! بينما أنا لدي 55 ألف جريح فلسطيني.. و1024 شهيداً حتى الآن.. و6500 معوق، و5500 حالة إجهاض بسبب الغازات السامة التي تستخدمها القوات الإسرائيلية ويطلقون عليها غازات مسيلة للدموع.. وقد أثبت فريقان طبيبان أحدهما أمريكي والآخر بلجيكي بالتحليل أن الغازات التي تستخدمها القوات الإسرائيلية غازات سامة وكيماوية وتؤثر على عيون الأطفال وتسبب لهم فقدان البصر.
*المصور: ما تقييمك للحوار الفلسطيني - الأمريكي؟20
*أبو عمار: تقوم به أمريكا على استحياء!!
*المصور: وما الفائدة من وراء حوار لا يحقق أي تقدم؟
*أبو عمار: أنا لا أقطع شعرة التفاوض مع أحد! ولماذا أرفض هذا الحوار؟.. أنا لن أقطع هذا الحوار. وأمريكان ملزمة بهذا الحوار حسب الاتفاق الذي تم بيني وبين وزير الخارجية السابق شولتز عبر أندرسون وزير الخارجية السويدي. وكان من المفروض أن يتطور هذا الحوار.. وكان من المفروض أن أذهب أنا إلى الأمم المتحدة.. ولكن إذ بـ 13 نائباً أمريكياً يطلبون منعي من حضور اجتماع الأمم المتحدة!!.. ورغم ذلك لو كان لدي ما يمكن أن أقوله بخلاف ما أعلنته كنت سأذهب إلى الأمم المتحدة رغم اعتراضهم على حضور الاجتماع حتى لو اضطرت الأمم المتحدة إلى نقل مقر اجتماعها إلى جنيف مرة ثانية.. ولكن ليس لدي أكثر من المبادرة التي طرحتها.. ولذلك لم أدخل مع أمريكا معركة المواجهة لحضور اجتماع الأمم المتحدة لأنني لست في حاجة إلى دخول هذه المعركة.. ولم يكن في ذهني أن أذهب إلى الأمم المتحدة.. ولكن هم الذين زعموا أنني راغب في حضور الاجتماع.. رغم أنني لم أتقدم بطلب للحصول على تأشيرة الدخول لـ أمريكا ولم أعلن أني ذاهب إلى الأمم المتحدة إطلاقاً.. ولكن هم الذين تخيلوا ذلك.. ألا يعتبر هذا تحيزاً ضدي؟!!
وفي لقاء لـ فيصل الحسيني مع مجلة الأسبوع العربي أبدى عدم تفاؤله للمرحلة المقبلة لأن إسرائيل تلعب ورقة مكشوفة لخلق واقع سياسي جديد، في حين يدرك الشارع الإسرائيلي عنوان هذه اللعبة، ولعل نسبة كبيرة من الإسرائيليين تدرك أن قيادتها السياسة لم يعجبها الانفراج النسبي في الوضع السياسي فلجأت إلى محاولة لوقف المسيرة السلمية. 21
ويتوقع الحسيني عودة إسرائيلية إلى استخدام القبضة الحديدية في الأراضي المحتلة على جميع الأصعدة والمستويات للتغطية على الانسحاب من العملية السلمية تحت غطاء من دخان قنابل الغاز المسيل للدموع، وبالتالي لن يكون هناك وفد فلسطيني ولن تكون انتخابات ولن ترى خطة بيكر النور، وكل ما يدور الآن من حديث عن انتخابات سياسية في الأراضي المحتلة لا يخدم في واقع الأمر هدف إجراء الانتخابات وإنما يمهد الرأي العام الإسرائيلي لانتخابات برلمانية جديدة .
وفيصل الحسيني كان متفائلاً قبل ثلاثة شهور. ففي مقابلة صحفية له مع جريدة الشرق الأوسط تاريخ 15 / 10 / 1989م قال: بأن الانتفاضة نقلت المعركة إلى أجواء الربع ساعة الأخيرة.. وأضاف قائلاً: أنا أشعر حالياً بأننا انتقلنا أيضاً من الربع ساعة الأخيرة إلى ما يقارب الخمس دقائق الأخيرة من المعركة.. وسئل: بعد الخمس دقائق الأخيرة إلى أين ستصلون؟ فأجاب: في نهاية هذه الدقائق سنكون على أبواب الدولة الفلسطينية الأخيرة. ا هـ.
ولا ينبغي أن تقوم أخطر قضايانا بهذه الأشكال المضطربة المتناقضة، ولربما جاء تفاؤل الحسيني بعد مقابلة له مع أحد زعماء حزب العمل الإسرائيلي، في حين نجد أن اليهود والأمريكان لم يغيروا مواقفهم.
وهاهو عرفات يعترف بأن وزير الخارجية السابق - شولتز - وعد المنظمة بأنها إذا اعترفت بقراري مجلس الأمن: 242و338 ستعترف الإدارة الأمريكية بها وتقيم معها حواراً، وتدعوها إلى مؤتمر دولي.. وبعد اعتراف المنظمة بما أمرت به الولايات المتحدة تراجعت الأخيرة ونكثت بوعدها.
وهاهو عرفات يعترف مرة ثانية بأن الأمريكان اتفقوا مع السادات على 22 أسماء الوفد الفلسطيني ثم تراجعوا عن اتفاقهم.
واعترف عرفات مرة ثالثة بأن المندوب الأمريكي «دينيس تراسوف» قدم اقتراحاً للمندوب السوفيتي «تراسوف» خلاصته أن يكون الوفد الفلسطيني [الذي يمثل الفلسطينيين خارج الأرض المحتلة] من أعضاء المجلس الوطني ويختاره رئيس المجلس الوطني وليس عرفات، وعندما وافق الأخير على هذا الاقتراح عادت أمريكا وتراجعت عنه.
واعترف قادة المنظمة مرة رابعة بأن أمريكا من ألد أعداء الشعب الفلسطيني. وأنهم يريدون من وراء هذا الحوار نسف المنظمة من الداخل، وإنهاء الانتفاضة!!
أهكذا الحوار.. وهل الذي يجري بين الأمريكان والمنظمة حواراً؟! أجاب على هذا السؤال عضو المجلس الوطني الفلسطيني «إدوارد سعيد» فقال:
«الحوار حتى الآن كشف للفلسطينيين ما كانوا يعرفونه، وهو أن الولايات المتحدة في الحوار تقوم بدور الناطق باسم إسرائيل والدفاع عن المصالح الإسرائيلية، لقد قرأت محاضر الاجتماعات، وهذه الاجتماعات لم تخدم مصالحنا، وعندما نطرح الأسئلة حول السياسة الأمريكية فإننا لا نحصل على الأجوبة، والاجتماعات تتم عادة بمبادرة من قبل الولايات المتحدة وليس من قبلنا. علينا أن نتعلم التعامل مع الولايات المتحدة كما تعامل الفيتناميون في باريس مع هنري كيسنجر. وبطريقة تعامل الجزائريين مع الفرنسيين. هذه ليست مباراة بين طفل ورجل راشد، هذا نضال بين طرفين على الأقل بين خصمين متورطين في صراع حقيقي، أحد الأطراف (الفلسطيني) يناضل من أجل حقوقه، أما الأطراف الأخرى، الولايات المتحدة وإسرائيل فهي تعمل على قمع الحقوق الفلسطينية، ولذلك يجب النظر إلى مجمل هذه القضية بكل دقة وجدية، 23 والأساس الذي يجب أن يبنى عليه الحوار هو معرفة كاملة وجدية ومفصلة للمجتمع الأمريكي وعلاقته بالسياسة الحكومية، وفهم صحيح للموارد المتوفرة في هذه البلاد، ومعرفة كيفية تعبئتها، وعلى سبيل المثال لم نقم حسب معرفتي بحملة مدروسة لكي نكشف للعالم ما تحاول أن تحققه الولايات المتحدة في جلسات الحوار. ولكي نكشف كيف يقوم الجانب الأمريكي، بدون خجل، في هذه الجلسات بكل بساطة بالتعبير عن الاهتمامات الإسرائيلية، دون التعامل أبداً مع أي من اهتماماتنا، يجب أن نكشف ذلك في الصحافة، وهذا لم يحدث حتى الآن، وكل ما تراه أمريكا هو التقارير الصادرة عن الأمريكيين والإسرائيليين والقائلة بأنهم غير مرتاحين لأن الولايات المتحدة تتحدث مع منظمة التحرير، أو أن منظمة التحرير لا ترد بإيجابية على المطالب الأمريكية، ولا توجد هناك أية محاولات لشرح الموقف الفلسطيني للعالم الخارجي، أنا أتحدث عن هذه البلاد وهكذا هناك افتراض بأننا شعب عنيد وصامت وليس لدينا أي شيء نقوله. وأنا أعتقد أن ذلك تشويه فظيع للموقف الفلسطيني» .
وإذن فهذا الذي ينقد المنظمة عضو في المجلس الوطني، ويؤكد في بداية حواره بأنه جزء منها، ويتحدث بعد أن قرأ محاضر اجتماعات الحوار.. ومع ذلك فهاهو يقول:
- إن الولايات المتحدة تقوم بدور الناطق باسم إسرائيل، والمدافع عن المصالح الإسرائيلية.
- الأمريكان لا يجيبون على أسئلة وفد المنظمة حول السياسة الأمريكية.
- تتم الاجتماعات عادة بمبادرة من قبل الولايات المتحدة وليس من قبلنا.
ويقول د. إبراهيم أبو لغد في لقاء له مع القبس بتاريخ 25 / 10 / 1989م: 24
«يجب أن نعمل على أساس أن كل تحرك أمريكي في نهايته يريد استسلامنا، ولذلك تريد أمريكا استقراراً في فلسطين وإعفاء إسرائيل من مهمتها في مقاومة الانتفاضة على الصعيد العربي. هي باختصار تريد تنازلاً واحداً فقط: الاستسلام. وإذا لم تحصل على هذا الاستسلام رسمياً، تحاول الحصول عليه عملياً بالاستدراج».
وقال أيضاً في المقابلة نفسها:
«حصرت أمريكا اتصالاتها بـ منظمة التحرير الفلسطينية بقناة سفيرها في تونس حيث مقر منظمة التحرير الفلسطينية، أمريكا تحصل على معلومات من الفلسطينيين، أمريكا تحصل على معلومات من الضفة والقطاع عن طريق عملائها وجواسيسها وسفارتها، وتحصل على معلومات من القاهرة، وبيروت ودمشق وغيرها من العواصم العربية. إذن أحد الأهداف الأساسية في الحوار هو المزيد من المعرفة بالأوضاع الفلسطينية التي يمكن أن تؤدي بها إلى تبني سياسة تخريبية ناجحة».
وإبراهيم أبو لغد هو أيضاً عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، وهو وأدوارد سعيد مدرسان في الجامعات الأمريكية، وكانا مرشحين لوفد المنظمة - أيام السادات - في حوارها المقترح مع إسرائيل، ويتحدثان عن علم بأوضاع المنظمة من الداخل، وأوضاع السياسة الأمريكية.
والخلاصة: فإن أقوال قادة المنظمة واضحة صريحة، وإذا كانت تتوقع خيراً من الأمريكان قبل عام فقد تبين لها خطأ توقعها، أما استمرار ما يسمى بالحوار رغم هذه النتائج التي انتهوا إليها، فهذا يعني شيء واحد: إن المنظمة وصلت إلى طريق مسدود، وانتهى دور الكفاح المسلح، وليس أمامها إلا الخضوع للابتزاز الأمريكي، واستمرار التذلل لهم واستعطافهم.. والأمريكان لا يجهلون ضعف المنظمة وهوانها، والظروف الدولية تزيد من غطرسة الأمريكان 25 واليهود، فالمعسكر الشيوعي أخذ ينهار، والسوفييت يتراجعون أمام الأمريكان، وقد قدموا لإسرائيل أكبر وأضخم دعم عندما وافقوا على هجرة أكثر من مليون يهودي من روسيا إلى فلسطين المحتلة وليست هذه أول ولا آخر ضربة يتلقاها العرب من أصدقائهم السوفييت.
لم تعد المنظمة بما وصلت إليه من ذل وتفتت قادرة على تمثيل الشعب الفلسطيني المجاهد، ولسنا وحدنا الذين نردد هذا القول.. إن كبار قادة المنظمة وأصدقاءها يرددونه في مجالسهم الخاصة وأحياناً العامة مثل هذا القول. قال «هشام شرابي» في تصريح نشرته مجلة «ميدل أيست أنترناشيونال» العدد الصادر في شهر كانون الأول:
«مطلوب انتفاضة داخل منظمة التحرير، وذَكَر مآخذه على المنظمة، ثم دعا إلى قيام كيان جديد».
وإذا كنا قد اعتمدنا فيما ذكرنا عن فشل مبادلة الأرض بالسلام على أقوال قادة المنظمة، فإن الحل الذي ندعو إليه يختلف عن الحلول التي ينادون بها. ولا نرى حلاً غيره.
إن الحل الذي ننادي به، ونصر عليه ولا نرى حلاً غيره:
لابد أن يتوب قادة المنظمة ويتخلوا عن الشعارات المنحرفة التي رفعوها كمبادلة الأرض بالسلام، والعلمانية، والثورية، والتسكع الذليل أمام أعتاب الأمريكان.. ولابد من توبتهم والعودة إلى كنف الله، أو لابد من قيادة جديدة تكون أمينة على مقدساتنا وجهاد شعبنا الأبي.
لقد تغيرت الظروف والأسباب التي فرضت علينا: جورجا، وحواتمة، وأبا نضال، وأبا موسى، وجبريلاً، وآن الأوان أن يمثل المسلمين أحفاد عمرو بن العاص، وصلاح الدين الأيوبي، وعز الدين القسام.
فهل يأخذ القوس باريها؟! 26