محمد سرور زين العابدين

  1. الحوار بين الصحابة
    اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور كثيرة، نذكر منها ما يلي:
    -اختلفوا في أسرى بدر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الذين يرون افتداءهم بالمال، وأنزل الله بعد ذلك قوله: (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ))[الأنفال:67] .
    -واختلفوا في فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) فصلاها بعضهم في الطريق حتى لا يفوتهم وقتها، وبعضهم صلاها في بني قريظة... وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف أحداً منهم. . 84
    -اختلافهم في أمر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر بن الخطاب يعتبر القول بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم إرجافاً من المنافقين، وحسم الخلاف عندما جاء أبو بكر وقرأ على الناس قوله تعالى: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ))[آل عمران:144]. وقوله تعالى: (( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ))[الزمر:30] .
    -واختلفوا في مكان دفنه صلى الله عليه وسلم، وانتهى الخلاف عندما قال لهم أبو بكر رضي الله عنه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض ) .
    واختلفوا حول قتال مانعي الزكاة. قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله تعالى )؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه للقتال فعرفت أنه الحق. فانتبه الصحابة إلى عمق فهم أبي بكر للنص، وإلى خطئهم، فاتفقوا على وجوب قتال المرتدين .
    -واختلف أبو بكر مع عمر في قسمة الأراضي المفتوحة، كما اختلفوا في سبي أهل الردة، واختلف عمر مع ابن مسعود في أكثر من مسألة، وغير ذلك كثير بين الصحابة. . 85
    وخلاصة القول: كانت خلافات الصحابة رضوان الله عليهم مادة ثرية للحوار، وكانوا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، قال تعالى: (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ))[النساء:59]. وإذا ظهر الدليل انتهى الخلاف لأن التقوى كانت خير ضابط لهذه الخلافات، فما كانوا رضوان الله عليهم يعرفون المماراة، ولا كانوا يقدمون على قول الله ورسوله رأياً من الآراء.
    ومن جهة أخرى فإنهم لم يختلفوا في المحكمات المعلومة من الدين بالضرورة، فليس منهم من قال بخلق القرآن أو بردة أصحاب الذنوب والمعاصي، وهذا من اختلاف التضاد... وإنما كانت خلافاتهم في أمور اجتهادية قابلة للحوار، وهم في علمهم وصحبتهم أهل للاجتهاد والحوار... وهذا هو اختلاف التنوع.
    وسنذكر فيما يلي مثالين مهمين من حوارات الصحابة: الأول بين الصحابة أنفسهم، والثاني بين الصحابة والمبتدعين:
    أمر السقيفة: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
    «... وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لـ أبي بكر: 86 يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكروا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم ، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة ، فقلت: ماله؟ قالوا: يُوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
    أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دَفَّت دَافَّةٌ من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد. فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم 87 أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها.
    كان والله أن أُقَدَّم فَتُضْرَبَ عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن فقال قائل الأنصار: أنا جُذَيْلُها المحكك وَعُذَيقُها المرَجَب منا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصواتُ، حتى فرِقْتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة. فقال قائل منه: قتلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر. خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما نرضى وإما نخالفهم فيكون فساداً، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرِّة أن يقتلا» . 88
  2. وقفات مع حوار السقيفة
    جرى حوار السقيفة في ظروف بالغة الأهمية:
    منها: أن جسده الطاهر صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مسجى، ولم يدفن صلى الله عليه وسلم إلا بعد تولي أبو بكر الخلافة، وفي هذا دليل على أهمية الخلافة في الإسلام.
    ومنها: أن المسلمين أصبحوا ثلاثة أقسام: سعد بن عبادة ومعه الأنصار في السقيفة، والمهاجرون مع أبي بكر في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ومنها: أن المنافقين في المدينة وما حولها كانوا يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين، ومن جهة ثانية فقد كان المشركون الذين يحيطون بالجزيرة العربية من كل جانب ينتظرون الفرصة المناسبة لاحتلال المدينة، واستئصال هذا الخطر الذي يهددهم.
    ومنها: أن جيش أسامة بن زيد كان لا يزال على مشارف المدينة ينتظر الأوامر من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ويدلنا على أهمية اجتماع السقيفة والنتائج التي أفضى إليها قول عمر بن الخطاب في الحديث الآنف الذكر الذي رواه عنه ابن عباس: «وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر» . وقول أبي هريرة: «والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عُبِدَ الله» .
    وسوف نختار فيما يلي أهم مجريات هذا الحوار، وما هي الأسباب التي جعلته نموذجاً للحوار الناجح:
    1-كان واضحاً أن اجتماع السقيفة قاصراً على الأنصار من الأوس 89 والخزرج، وكان واضحاً أيضاً أن حضور أبي بكر وعمر سيؤثر أشد الأثر على نتائج هذا الحوار... ومع ذلك فقد أذن لهما الأنصار بالدخول وبالمشاركة في الحوار.
    2-بدأ الحوار منظماً، ليس فيه شغب ولا فوضى، انظر إلى قول عمر: «فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم... ثم قال:»، فالخطيب وحده هو الذي تكلم باسم الأنصار، والناس جميعاً صامتون يصغون إلى أقواله.
    3-أراد عمر أن يتكلم وقد زور مقالة أعجبته، ولكن أبا بكر أسكته فسكت احتراماً وتقديراً للصديق، وتكلم أبو بكر من غير الأنصار، فأصغى الجميع إليه ولم يشوش عليه أو يقاطعه أحد من الأنصار حتى أنهى حديثه.
    4-كان المتحاورون عدولاً أمناء، ففي رواية ابن عباس أن أبا بكر قال في رده على الأنصار: «وإنا والله يا معشر الأنصار ما ننكر فضلكم ولا بلاءكم في الإسلام، ولا حقكم الواجب علينا». وعندما قال لهم عمر: «يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟» قالوا: «نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر» .
    إن الصدق والعدل والأمانة من أهم أسباب نجاح الحوار-أي حوار- فلنتخلق جميعاً بأخلاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنحذر من بخس حقوق إخواننا، ولا نتردد في ذكر فضائلهم ومحاسن أخلاقهم، وإن ظلمونا وتطاولوا علينا بغير حق.
    5-قال أبو بكر: ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وأخرج أحمد من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: توفي 90 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة فذكر الحديث، قال: فتكلم أبو بكر فقال: والله لقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد: ( قريش ولاة هذا الأمر ) فقال له سعد: صدقت ، وفي رواية عائشة التي أخرجها البخاري في صحيحه أن أبا بكر قال: لا . ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء هم أوساط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، وأخرج البخاري في صحيحه أن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان ) .
    وقال الحافظ ابن حجر: «حديث الأئمة من قريش سيأتي ذكر من أخرجه بهذا اللفظ في كتاب الأحكام [أو الاعتصام] ولم يقع في هذه القصة إلا بمعناه، وقد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابياً لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرو إلا عن أبي بكر الصديق» .
    وإذن فقد حاجج أبو بكر الأنصار بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة يلتزمها الطرفان (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ))[النساء:59]، والمتحاورون يدورون في حلقة مفرغة إن لم تكن هناك أصول ثابتة يحتكم إليها الطرفان.
    6-أخطأ الأنصار عندما اجتمعوا في السقيفة، ولم يشركوا معهم إخوانهم المهاجرين في هذا الاجتماع، وأخطأ سعد بن عبادة عندما طمع في الإمارة ثم تأخر وتردد في مبايعة أبي بكر... وقد يقول قائل: لماذا كثر اللغط، وارتفعت الأصوات بعد بيان الدليل؟ فنقول رداً على هذا وذاك: الصحابة ليسوا معصومين، وغير المعصوم لابد أن يقع في الخطأ، وليست 91 العبرة بكثرة اللغط وارتفاع الأصوات لأن الأمر جد خطير ولابد فيه من الحوار وارتفاع الأصوات، ولكن العبرة بالنتائج التي انتهى إليها هذا الحوار، لقد بايعوا أبا بكر دون أي قسر أو إكراه، وتبين أن أكثرهم ما كان يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعضهم تذكر الحديث عندما سمعه من فم أبي بكر، ولم يرد أحد منهم الحديث أو يؤوله تأويلاً يخرجه عن معناه.
    7-تأخر بعض الصحابة في إعطاء البيعة لأبي بكر، وكان منهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فلم يعنفهم الصديق، أو يتخذ موقفاً متشدداً ضدهم، وكان لصبره عليهم وترفقه بهم أثر إيجابي عليهم، فتداركوا الموقف، وأعطوه البيعة بعد أن وضح علي سبب تأخره، وانتهت المشكلة في مهدها.
    8-جاءت الإمارة لعمر بن الخطاب طائعة منقادة، والفاروق أهل للخلافة، والناس في القديم والحديث فطروا على حب الرئاسة، ومن أجلها تنشب الحروب، ويقتل الأخ أخاه والابن أباه، ولكن تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حولته إلى إنسان آخر يختلف كل الاختلاف عن عمر الذي يعرفه الناس في الجاهلية.
    يقول عمر: «فلم أكره مما قال -أبو بكر- غيرها، كان والله أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر وفي رواية عائشة أن عمر قال لـأبي بكر: «بل نبايعك أنت فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم» ورأينا من قبل أن أبا بكر أسكت عمر عندما أراد أن يتكلم فسكت عمر وقال: «فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحكم مني وأوقر».
    فعمر يعرف أن أبا بكر أفضل منه، وفي رواية عن سالم بن عبيد أن عمر قال للأنصار: من له هذه الثلاثة: إذ هما في الغار؟ من هما إذ يقول 92 لصاحبه من صاحبه؟ لا تحزن إن الله معنا؟ مع من؟.
    ولو وعى دعاتنا اليوم هذا الدرس العظيم من الفاروق، وعرف كل منهم قدر نفسه لزالت واختفت معظم المشكلات التي أقضت علينا مضاجعنا وأشغلتنا عن الواجبات التي خلقنا الله من أجلها.
  3. حوار ابن عباس مع الخوارج
    عن ابن عباس قال: «لما اعتزلت الحرورية، قلت لعلي: يا أمير المؤمنين أبرد عني الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم. قال: إني أتخوفهم عليك. قال: قلت: كلا إن شاء الله، فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أر قوماً أشد اجتهاداً منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلمة من آثار السجود. قال: فدخلت، فقالوا: مرحباً بك يا ابن عباس ما جاء بك؟ قال: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول الله، نزل الوحي، وهو أعلم بتأويله. فقال بعضهم: لا تحدثوه. وقال بعضهم: لنحدثنه. قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه، قالوا: ننقم عليه ثلاثاً. قلت: ما هن؟ قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال تعالى: (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ))[الأنعام:57]، قال: قلت: وماذا؟ قالوا: قاتل ولم يسب ولم يغنم، لئن كانوا كفاراً لقد حلت له أموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم. قال: قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. 93 قال: قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم ما لا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم. قال: قلت: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله؛ فإن الله يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ))[المائدة:95]. وقال في المرأة وزوجها: (( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ))[النساء:35]. أنشدكم الله أفحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وصلاح ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: في حقن دمائهم وصلاح ذات بينهم، قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أتسبون أمكم ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها ليست أمكم فقد كفرتم وخرجتم من الإسلام. إن الله يقول: (( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ))[الأحزاب:6]، وأنتم تترددون بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم.
    قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، فقال: ( اكتب، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال: ( والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله ) ورسول الله كان أفضل من علي. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا» . 94
    نكتة: .
    من بين الحوارات الكثيرة المتنوعة التي يزخر بها القرآن الكريم: حوار المؤمن مع الحيوان!.
    وأحسب أن القارئ المتسرع سوف يتساءل مالنا والحيوان؟، وهل الحيوان ينطق حتى يحاور؟... على رسلك يا أخي فما من مسلم إلا ويقرأ في كتاب الله حوار نبي الله سليمان مع الهدهد ، فتعال معي لحظات لنعيش في أجواء هذا الحوار الممتع.
    استعرض سليمان جيشه الجرار الذي كان يتألف من الجن والإنس والطير، وعندما تفقد الطير لفت نظره غياب الهدهد، وللهدهد دور في هذا الجيش، وغيابه يعطل هذا الدور فتوعده بإنزال أشد العقوبات به إن لم يأت بعذر بين واضح... وعاد الهدهد بعد غيبة لم تطل مدتها ليقول لقائده: اطلعت على ما لم تطلع عليه، وجئتك من سبأ بنبأ صحيح ليس فيه أدنى شك، رأيت قوماً رزقهم الله خيرات لا حصر لها، ومع ذلك فقد ملكتهم امرأة تتصرف بجميع شؤون حياتهم، والأكثر غرابة في أمر هؤلاء الناس ضلالهم وكفرهم، فهم يسجدون للشمس من دون الله (( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ))[النمل:24].
    وبعد انتهاء الهدهد من عرض مشكلة أهل سبأ، راح يتحدث عن البديل، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وذكر شيئاً من صفات الله تعالى الذي يستحق العبودية.
    كان الهدهد واثقاً من نفسه وهو يتحدث مع قائده، فلم يتلعثم ولم 95 يرتبك، وكان القائد صامتاً لا يقاطعه، ولا يحاسبه على العبارات التي تلفظ بها، فليت شعري أي جندي أو رقيب أو ضابط يستطيع مواجهة قائد من قادة جيوش هذا العصر في بلداننا الإسلامية بمثل ما واجه به الهدهد قائده؟ وليت شعري أي جندي يعرف من يقاتل ولماذا يقاتل وما هي المبادئ التي تستحق أن يجاهد من أجلها؟.. طالما سمعنا «بجنرالات» يأمرون جندهم بسحق حي من الأحياء لأن نفراً من الدعاة التجأوا إليه دون علم أهل الحي، ولا يتورع هؤلاء الجند عن هدم المنازل على سكانها، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون أدنى رحمة أو شفقة، وليس من حق الجندي محاورة قائده بل سؤاله: ما ذنب هؤلاء الأطفال؟ ألسنا المسؤولين عن حمايتهم وحفظ أمنهم؟، وإذا تكرم القائد متطوعاً من نفسه، فقد يقول للجند: هؤلاء الذين نقاتلهم خونة ينفذون مخططات إسرائيلية ويتآمرون على سلامة الوطن!! هكذا كان الهدهد في جيش سليمان، وهذا هو حال الجند في عصرنا!!.
    وتوالت الحوارات العجيبة المتنوعة بعد خبر الهدهد فسليمان يأمر هذا الجندي الصغير بحمل رسالة منه إلى أهل سبأ يدعوهم فيها إلى الإسلام، وهذه الرسالة بحد ذاتها تبين صدق الهدهد من كذبه.. وبلقيس تسارع إلى عقد اجتماع لأهل الحل والعقد في قومها لتستشيرهم في أمر هذه الرسالة، والقوم يقولون لها: إذا أردت الحرب فنحن مستعدون لها، وإن رأيت غير ذلك فأنت موضع ثقتنا ولا نرد لك أمراً.
    أنهت بلقيس حوارها مع قومها بقولها لهم: سأرسل له هدية أختبره بها ثم أنظر بما يرجع المرسلون، وعندما رفض سليمان الهدية أدركت أن المسألة ليست مسألة هدية ومال، المسألة مسألة إسلام أو قتال، وبلقيس وقومها مهما كانت قوتهم، ومهما بلغوا من الشجاعة لن يصمدوا أمام جيش قوامه الجن والإنس والطير. 96
    ويستعد سليمان للحوار مع بلقيس، فيأمر الذي عنده علم من الكتاب بإحضار عرشها قبل أن يأتوه مسلمين... وتأتي بلقيس لتجد عرشها قد سبقها، كما وجدت أموراً أخرى يستحيل أن يصنعها البشر بإمكاناتهم فأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
    وكان الهدهد سبباً في إسلام أمة مع ملكتهم، وكان الحوار طريقاً إلى تحقيق هذه النتائج التي تعجز عنها الجيوش من غير جيش سليمان عليه السلام. يقول ابن كثير: «ولما كان الهدهد داعياً إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله كما رواه الإمام أحمد وأبو داود، وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد )، وإسناده صحيح» .
  4. حاجتنا إلى الحوار
    إذا كان القرآن الكريم قد حفل بمئات الأمثلة على حوارات الحق جل وعلا مع بعض خلقه، وحوارات الأنبياء مع أقوامهم.
    وإذا كانت سيرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم سلسلة متصلة من الحوارات التي بدأت مع بداية البعثة النبوية، وانتهت بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وإذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اتخذوا من الحوار وسيلة لحل خلافاتهم، وقد اقتفى أثرهم التابعون وتابعو التابعين من أئمة هذه الأمة.
    إذا كان الأمر كذلك، فأين نحن اليوم من الحوار؟!
    لابد من التذكير قبل الإجابة على هذا السؤال، بأن الحوار نوعان: مذموم، وممدوح. 97
    أما الحوار المذموم فسوقه رائجة عند بعض الإسلاميين، ويولونه اهتماماً كبيراً، ويحيطونه بدعاية إعلامية واسعة، وسوف أذكر فيما يلي مثالين على ذلك:
    المثال الأول: الحوار مع القوميين: إن أكثر الإسلاميين المشاركين في هذا الحوار من أصحاب الاتجاهات العقلانية المنحرفة، وبعضهم لا يتورع عن مهاجمة من يكفر اليهود والنصارى، ومما لا شك فيه أن قوله هذا من الأمور المكفرة.
    غير أن بعض المشاركين ليسوا من أصحاب الاتجاهات العقلانية، لكنهم راضون عن هذا الحوار الشاذ، ولا ينسقون المواقف مع إخوانهم الآخرين، بل لا يرونهم إلا في الوقت الذي يرون فيه العلمانيين.
    ومن جهة ثانية فالقوميون-وهم الطرف الثاني في هذا الحوار- علمانيون [حتى النخاع]، وبعضهم من الأساتذة الذين تخرج على أيديهم الحكام العسكريون المستبدون الذين حاربوا الله ورسوله والذين آمنوا، واستباحوا الحرمات، وأزهقوا الأرواح الآمنة... وقد جاء هذا الطرف إلى الحوار بعد أن استنفد أغراضه، وتخلى عنهم الحكام- أي تلامذتهم-، وبشكل أوضح فالطرف الأول من الإسلاميين يحاورون ناساً قد أفلسوا، وليس عندهم ما يقدمونه.
    ومن جهة ثالثة فالهدف من هذا الحوار إقامة جبهة وطنية تقف ضد سياسة الاستسلام لإسرائيل، والعروبة والإسلام هما قوام هذه الجبهة، فالإسلام عند القوميين لا علاقة له بالسياسة وشؤون الحكم، والعروبة عند الإسلاميين هي اللغة والانتماء والنسب، ولا صلة بينها وبين العلمانية... وإذن ليس الهدف من هذا الحوار أن يتبرأ العلمانيون القوميون من تاريخهم الأسود الملطخ بالويل والثبور وعظائم الأمور، وهم ليسوا مستعدين لذلك 98 إن طلب منهم، ويتردد أن أحد الإسلاميين قال في جلسة من الجلسات مخاطباً العلمانيين: منا الكم ومنكم الكيف.
    المثال الثاني: سياسة الجسور المفتوحة: رفع بعض الإسلاميين هذا الشعار في أوائل السبعينيات، وكانوا يبحثون من وراء ذلك عن أرضية لإقامة حوار مع الحكام، وأبدوا استعداداً للتنازل عن أشياء كثيرة، واختلفوا مع إخوان لهم حول هذه المسألة، واشتد الخلاف في وقت لم تظهر أية بادرة من الحكام المستبدين توحي إلى موافقتهم حتى على استقبال أصحاب هذه المبادرة، وبعد مضي عقدين تظافرت الأدلة على أن القضية عند هؤلاء الحكام ليست تطرف أو اعتدال- كما يزعمون-، ولا هي قضية جماعات تعمل من غير ترخيص- كما يدعون-... إن هؤلاء الطغاة المتسلطين يكرهون الإسلام والمسلمين، ويبغضون أصحاب اللحى وأهل الصلاح والتقوى سواء كانوا محايدين مسالمين أو من العاملين في صفوف الجماعات الإسلامية... هذه هي القضية، وستبقى هذه الجسور مفتوحة من طرف واحد، أما الطرف الآخر فجسوره مفتوحة لمن هم على شاكلته من أهل الإلحاد والزندقة والشقاق والنفاق.
    هذان مثالان من أمثلة كثيرة على الحوارات المذمومة التي تستهلك طاقات بعضنا، أما الحوارات الضرورية الممدوحة، فهناك عوائق تقف في طريقها، وهذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله. 99