إخواننا العلماء العاملين والدعاة المجاهدين في سبيل الله.
نحمد إليكم الله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونصلي ونسلم على خير خلقه نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ونحييكم بتحية الإسلام تحية من عند الله مباركة طيبة، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فمن عادة الأمم والشعوب إذا داهمهم خطب أو ألمت بهم كارثة أن يخاطبوا الرأي العام، ويستصرخوا الضمير العالمي ليقف معهم في محنتهم وينصرهم على المعتدين الظالمين... ونحن من الذين ألمت بنا كوارث، واجتاحتنا مصائب، ومع ذلك سوف نستصرخ ضمائركم، ونخاطبكم قبل أن نخاطب الرأي العام؛ ومؤسسات الأمم المتحدة.
أما أننا من الذين ألمت بهم كوارث، فهذا غير خاف عليكم، ولا نظن أن بينكم من يجهل أوضاع المسلمين في الهند، و أفغانستان، وإندونيسيا، و الفلبين، و الصومال، و فلسطين المحتلة، و لبنان . 4
ولا نعتقد أن بينكم من لا يعلم دور مؤسسات التبشير النصراني في قارة أفريقيا وفي جنوب شرقي آسيا، ولا الطائرات التي يملكونها، والمستشفيات والمدارس التي يفتحونها، والمليارات من الدولارات التي ينفقونها من أجل تنصير أبناء دينكم.
مَنْ منكم لم يسمع بمنع الحجاب في المدارس والجامعات، والاعتداء على النساء المحجبات في بلدان تدين شعوبها بالإسلام، وقد كانت إلى عهد قريب منارة من منارات الإسلام الشامخة؟!
مَنْ منكم لم يسمع بالأصوات المحمومة التي تسخر من الذين ينادون بوجوب الاحتكام إلى شريعة الله، ونبذ الشرائع الأرضية الجاهلية.. وينشر هؤلاء في صحفهم صوراً للأيدي والأعناق المقطوعة؟!
أما لماذا سنتوجه بخطابنا إليكم عند الضرورة؛ فلأننا نعتقد أنه لن يفلح العاملون للإسلام إلا إذا صدقت نواياهم، وتوحدت غاياتهم وأهدافهم... ولن يقوم للعمل الإسلام قائمة إلا إذا تجاوزنا الآفاق الإقليمية والحزبية، واجتمعنا على الأصول والمناهج التي اجتمع عليها الصحابة والتابعون وغيرهم من رجال خير القرون رضي الله عنهم وأرضاهم.
لا تنسوا أننا كنا خير أمة عندما كان يصدق فينا قوله تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ))[آل عمران:110].
ولم ينجح أعداؤنا في اختراق صفوفنا، وانتزاع ملكنا إلا عندما قل فينا الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وضعف إيماننا بالله، وأصبحنا شيعاً وأحزاباً، كل حزب بما لديهم فرحون. 5
وماذا سيصنع لنا الرأي العام إذا كان كبيرنا لا يعطف على صغيرنا، وغنينا لا يساعد فقيرنا، وقوينا لا يرحم ضعيفنا.. وماذا ننتظر من الضمير العالمي إذا كان بعضنا يقف مع الظالمين المفسدين في خندق واحد ضد بعضنا الآخر؟!
أيها العلماء الدعاة سنكتب إليكم، ونهز مشاعركم لأنكم - إن صدقتم مع الله وتسلحتم بأسباب النصر - مكمن القوة في أمة الإسلام، ورأس مال هذا الجيل بكم يقتدي، ولكم يسمع ويطيع... وإن شئتم صنعتم بهذه الجماهير المسلمة نصراً يسجله التاريخ بصفحات من نور... وإن شئتم زادت الفرقة وامتلأت القلوب بالأحقاد والضغائن، فاتقوا الله في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة، واختاروا ما ينفعكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إن العلماء العاملين أهم ثروة في حياة الأمم والشعوب، فهم الذين يغيرون الواقع الفاسد، وهم الذين يصلحون النفوس المضطربة، ويوحدون بين القلوب المتنافرة... لا بل كان الواحد منهم ينقل الأمة كلها من جحيم الكفر إلى رياض التوحيد، ومن الضياع إلى الهداية... والله سبحانه وتعالى ما كان يرسل جيشاً من الدعاة أو الملائكة أو الجن، وإنما كان يرسل نبياً فينقل العالم من حال إلى حال آخر بإذن الله.
وإن قال قائل: ليس بوسعنا أن نحقق ما حققه أنبياء الله!! نقول: سنذكر لكم مثالاً آخر:
فالمجددون آحاد من الناس، وما كانوا أنبياء ومع ذلك كانوا يصلحون ما أفسده المشركون، ويحيون ما اندثر من الشرائع والسنن، وينقلون شعوبهم نقلة بعيدة وشاملة، ولا تزال الأجيال تذكر مآثرهم بعد مرور مئات السنين على موتهم. 6
والطواغيت الذين نشروا الفساد والإلحاد كانوا آحاداً: نمرود ، فرعون، هامان ، قارون ، أبو جهل ، أمية بن خلف .
وأمام هذه الحقائق يسقط الشعار الذي يردده المنهزمون: «يد واحدة لا تصفق» فالله تعالت أسماؤه وصفاته خلق لكل إنسان يدين اثنتين لا يداً واحدة، وإذا كان هناك فائدة من التصفيق فيستطيع أن يصفق بيديه ما شاء.
لا ينفعنا تبرير أخطائنا وتخاذلنا، ولابد من الاعتراف بأن العيب فينا وليس بزماننا ولا بغيره... ولماذا لا نغير هذا الواقع - إن كنا صادقين - ونحن عديد الحصا في حين كان عالم عامل واحد يغير هذا الواقع.
لابد من الوقوف طويلاً مع التأمل والتفكير عند تلاوتنا لقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ))[الرعد:11].
فالتغيير يبدأ من نفوسنا... من قلوبنا... من نوايانا، ولا يبدأ بالجعجعة والخطب الرنانة.
قد ينجح الممثلون الأذكياء في تجميع عدد كبير من الأتباع والمريدين، ولكنهم لن ينجحوا في تغيير هذا الواقع.
يا دعاة الإسلام: إذا احتل عدونا بلداً من بلدان المسلمين... إذا سلط الله علينا طاغية مستبداً فنكل بالدعاة الأحرار، ونشر الزندقة والفجور.. إذا كثر الربا والخنا والرشوة... لن نقول: هذه حال الخلائق في آخر الزمان.. ولن نقول: حدث هذا لأن الشرق والغرب يتآمر علينا، ويكيد لنا.. فنحن لا ننتظر من الشيطان وحزبه إلا التآمر والخبث والصد عن سبيل الله.
ولن نجهد أنفسنا في استدرار عطف الضمير العالمي... 7 سنخاطبكم أنتم يا دعاة الإسلام، ونطالبكم العمل معاً لنحرر البلد الذي احتله العدو، ولنصلح ما فسد من أحوالنا.
وإذن: فالمقصد الأول من مقاصد هذه المجلة «السنة»: العمل من أجل توحيد صفوف العلماء والدعاة والجماعات الإسلامية... وسوف نكتب في الأعداد القادمة عن ضرورة هذه الوحدة وأصولها، ووسائلها ومشكلاتها.
ونحن نعلم أن هذا المقصد شاق وعسير، لكنه ليس مستحيلاً، وفي تاريخنا شواهد على أن الأمة الإسلامية مرت بأحوال تشبه إلى حد كبير حالنا اليوم، ويسر الله من يوحد الصفوف، ويستغل الطاقات المعطلة، فتجاوزت الأمة محنتها وانتصرت على عدوها، ومما يجب علينا: السعي الدائب، واستنفار جهود المخلصين، وتجنب أي يأس أو قنوط... ومن المبشرات أن عدد الداعين إلى تجاوز الآفاق الحزبية والإقليمية يزداد مع مرور الزمن، وضخامة التحديات، وقد أصبحوا تياراً له وجود والحمد لله في معظم البلدان والجماعات.
أما مقصدنا الثاني: فهو تنمية الوعي السياسي، وربطه بمنهج وأصول أهل السنة .. والحاجة ملحة إلى طرق هذا الموضوع.. ولا ندري كيف وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من نتائج في هذا الشأن، فبعضهم يعتقد أن السياسة إضاعة للوقت ويتفاخر بأنه لا يفهم فيها شيئاً، ولا يريد أن يفهم.
وبعضهم يرى أن لا علاقة للسياسة بمنهج وأصول أهل السنة... وإذا سألته لماذا اتخذت هذا الموقف؟!
أجابك: هذه سياسة... وهذا هو اجتهادي!!
وصنف ثالث يردد ما تقوله الإذاعات والصحف المعادية 8 للإسلام، ومتابعته لهذه المنكرات دون تمحيص ولا تحقيق يسميها سياسة!!
أما الذين يرون أن السياسة إضاعة للوقت، فعليهم أن يتذكروا بأن الله جل وعلا الذي أوجب عليهم الصلاة والزكاة والصوم والحج هو الذي أوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير ظالم... وأوجب عليهم الجهاد في سبيل الله، والاحتكام إلى شرع الله، وحرم عليهم الاحتكام إلى شرائع الجاهلية.
وهو سبحانه وتعالى الذي أوجب عليهم إعطاء البيعة لولي أمر المسلمين، وحرم عليهم الخروج على جماعة المسلمين، فهذا وغيره سياسة، فكيف يريد منا هؤلاء أن ننبذها، ولا نشغل أوقاتنا بها؟!
أما القائلون بأنه لا علاقة للمواقف السياسية بمنهج الإسلام وأصوله... فسوف نذكر لهم مثالاً واحداً يظهر من خلاله تهافت أقوالهم وبطلانها:
لو سألنا سائل: ما تقولون في مسألة الصلح مع اليهود الذين احتلوا فلسطين... وما هو موقفكم من الشعار المطروح «مبادلة الأرض بالسلام»؟!
الجواب: لا يجوز لكل من يتصدى للإجابة على هذا السؤال أن يهمل القواعد الثابتة التي وردت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية والتي بينت لنا أخلاق اليهود وخبثهم ووسائلهم، أما «مبادلة الأرض بالسلام» فلابد من فتوى كبار العلماء الأحرار الذين لا يقدمون أي قول على قول الله ورسوله، ولابد أن يجيبوا من خلال هذه الفتوى على عدة مسائل منها: هل يجوز إسقاط فريضة الجهاد 9 مع اليهود الذين احتلوا أرضنا... وهل يجوز التنازل عن الأقصى والقدس وسائر الأرض المحتلة التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بأنها مباركة ومقدسة، وإعطاؤها لليهود ليفسدوا فيها علماً بأن أهدافهم تتجاوز حدود هذه الأرض لتشمل سائر الأرض الممتدة ما بين الفرات و النيل؟!
فليتنبه إلى خطورة هذه المسألة الذين يطرقون جميع الميادين بحثاً وكتابة زاعمين أن مواقفهم سياسية وأنه لا حرج عليهم فيما يجتهدون... وليعلموا كما أنه لا يجوز للعلماء الذين يفتون جهل الأبعاد السياسية للمسائل التي يفتون فيها... كذلك لا يجوز للعاملين في السياسة من الدعاة أن يجهلوا أو يتجاهلوا ارتباط هذا العمل بالمنهج والأصول الإسلامية.
ونرجو أن نوفق في إعطاء هذا المقصد حقه في هذه المجلة.
أيها الدعاة العلماء أينما كنتم: هذه رسالتنا إليكم في كل شهر، ويسرنا أن تكتبوا إلينا، وتتعاونوا معنا... ولا تترددوا في نصحنا، فالدين النصيحة، والمؤمن مرآة أخيه، وسوف نبادر إلى الاعتذار عن أي خطأ نقع فيه، وسننشر ما يصلنا من مقالات قيمة وإن خالفت اجتهاداتنا لأن الحوار العلمي الجاد يثري الموضوع ويجعله قضية كل داعية إلى الله، نسأل الله الثبات على الحق، والعافية من مضلات الفتن، والحمد لله رب العالمين. التحرير 10