نشرت القدس العربي في عددها تاريخ 13 / 7 / 2001 نقلاً عن وكالة الصحافة الفرنسية التحليل التالي:
نجحت جماعة حزب الله اللبنانية في تحقيق النصر العسكري الوحيد للعالم العربي على إسرائيل لكنها مشتبكة الآن في معركة داخلية تهدد بتجريدها من ذلك المجد. ما كان ينقضي عام ونيف على تمكن الجماعة من طرد إسرائيل من جنوب لبنان وإنهاء احتلاله الذي دام (22) عاماً حتى تبادلت مع أنصار الحكومة اللبنانية اتهامات بالاحتيال وتشجيع تهريب المخدرات و«بلطجة» نقابات العمال، ولا يبدو أن أحداً يمكن أن يخرج نظيفاً من اتهامات تلطخ السمعة، ويقول دبلوماسيون أن الخلاف يلقي الضوء الأخضر على المعضلة التي تواجه حركة مقاومة محرومة من مواجهة عدوها الرئيسي، وقال دبلوماسي غربي «أحسبهم يواجهون المشكلة التي تواجه أي حركة مقاومة وطنية، فعندما يتحقق التحرير يتعذر الاستمرار في تبرير وجودها».
واتسع الخلاف في الشهر الماضي حين لمح مؤيدون لرئيس الوزراء رفيق الحريري أثناء مناقشة للموازنة العامة في البرلمان إلى أن الجماعة الشيعية جزء من مخطط لإدارة شبكة غير مشروعة للاتصالات الهاتفية الدولية تكلف الحكومة مئات الملايين من الدولارات كل عام.
ثم حذر حزب الله من تخفيض عدد العاملين في شركة طيران الشرق الأوسط 25 التي تحقق خسائر, وكثير منهم شيعيون عينوا في الشركة لأغراض سياسية. وندد نواب الجماعة في البرلمان بحكومة الحريري في احتجاجات اقتحم خلالها بعض موظفو طيران الشرق الأوسط الغاضبين مكاتب الشركة.
كما انتقدت الجماعة بشدة خطط الحكومة للقضاء على تزايد زراعة القنب الذي يستخرج منه الحشيش في معقلها بـسهل البقاع حتى أن مسؤولاً من حزب الله تهكم قائلاً أن الحريري يجب أن يشترى المحصول الذي تعهدت حكومته بتدميره، وتجادل الجماعة المدعومة من إيران بأن المزارعين الفقراء يتحولون إلى زراعة القنب نتيجة لفشل السياسات الزراعية للحكومة.
وفرض انتقاد ضمني نشر في صحيفة يملكها الحريري خلال نيسان (إبريل) مؤداه أن الضربات التي يوجهها حزب الله للقوات الإسرائيلية في مزارع شبعا المتنازع عليها تعرض اقتصاد البلاد المترنح للخطر سؤالاً غير مريح.. لماذا يبقى حزب الله.. وإجابة الجماعة المدعومة من سورية على السؤال بسيطة وتتخلص في أن الاحتلال ما زال قائماً لـ مزارع شبعا وهي منطقة مساحتها (25) كيلو متراً مربعاً عند التقاء الحدود اللبنانية مع مرتفعات الجولان السورية المحتملة، وفي خطاب ألقاه خلال هذا الأسبوع رداً على منتقدي حزب الله مع اللبنانيين استشهد الشيخ حسن نصر الله الأمين العام للجماعة بدورها في طرد الدولة اليهودية من الجنوب اللبناني مما يقتضي ضمناً استحقاقها لمعاملة أفضل.
وقال: إن الجماعة لم تطلب قط من أحد ولا من أي حكومة شيئاً في المقابل لأن المقاومة واجبها ولا تبغي عطايا من أحد. 26
وقال أيضاً: أن الجماعة ليست فوق مستوى النقد مشيراً إلى ما وصفه بحملة منظمة ضد الجماعة بخصوص قرصنة المكالمات الهاتفية وكذلك اتهامات بأنها تعرقل الإصلاح الاقتصادي بتأييدها للعاملين في طيران الشرق الأوسط، وتأتي هذه الإيماءة في اتجاه الإقرار بإمكانية ارتكاب خطأ بعد أن اضطر حزب الله إلى أن ينأى بنفسه عن تصريحات لعضو في الجماعة نشرتها صحف محلية ووصف فيها حكومة الحريري بأنها «فاجرة» فيما يتعلق بمشكلة شركة طيران الشرق الأوسط، وأدت الحالة إلى إعادة تأكيد برنامج حزب الله السياسي الذي ينادي بمساعدة
المزارعين وإنهاء الفساد المزمن والطائفية الدائمة بـلبنان وهو ما يختلف إلى حد بعيد عن سياسات الجماعة المتشددة التي كانت وراء هجمات بالقنابل واختطاف رعايا غربيين أثناء الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990 .
وقال دبلوماسي غربي أن ذلك علامة على تحول الجماعة التدريجي الصعب إلى حزب سياسي بين أحزاب سياسية وهذا من شأنه أن يحدث تصدعات داخلية في الوقت الذي بدأت فيه الجماعة تتساءل إلى متى ستظل بوضع بطل التحرير.
وأضاف الدبلوماسي «أرى التشققات تتسع في حزب الله كما حدث في إيران بين ما أصبح معسكر الاعتدال والمعسكر الذي يقسم بأنه لا تراجع مطلقاً فيما يتصل بالشيطان الأكبر (الولايات المتحدة) وإسرائيل».
وعندما تكون السياسات اليومية المعتادة غير مجدية تشعر الجماعة بأمان أكبر في ظل الدور الذي تجيد القيام به ألا وهو أن تكون شوكة في جنب إسرائيل وحصناً صامداً على الجبهة العربية الإسرائيلية. وتحتجز الجماعة ثلاثة جنود إسرائيليين اختطفتهم في غارة على مزارع شبعا في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بالإضافة إلى عسكري رابع أسرته بعد ذلك بأسابيع في ظروف غير معروفة، وتعرض الجماعة مبادلتهم بسجناء لبنانيين وعرب آخرين لدى الدولة اليهودية. 27
وبالرغم من انتقادات لعملياته يوجهها بعض خصومه اللبنانيين فإن حزب الله هو الذي يواجه إسرائيل التي قصفت مرتين أهدافاً سورية في لبنان منذ نيسان (إبريل) رداً على هجمات حزب الله على قواتها في مزارع شبعا .
وأياً كانت الوسائل المتاحة لأعداء نصر الله فقد أشار إلى أنهم يفتقدون ما لديه عندما قال: «أنه لولا حركة المقاومة أي حزب الله لبقي الإسرائيليون يحتلون لبنان ولقاموا بتعيين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان». 28