* الغوغائية والزعامة العربية.
* أسباب هزائم العرب أمام اليهود.
بشير زين العابدين
لا يستطيع كاتب ولا مؤرخ، ولا باحث عن الحق يربط الماضي بالحاضر، في معرض الحديث عن فلسطين وقصة ضياعها أن يتجاهل دور زعماء العرب حينذاك. فما فلسطين إلا جزء من أمة وما قضيتها إلا مشكلة من مشكلات هذه الأمة وما من سبيل في الحديث عن هذه البقعة دون التعريج إلى ما حولها. ذلك أن شؤون أمتنا مرتبط بعضها ببعض لا تفصلها حدود ولا معاهدات ولا حكام.
وحكام البلاد العربية حينذاك كانوا جزءاً من المسرحية التي رتبت لضياع فلسطين ، فهم الذين ساوموا العدو زرافات ووحداناً حين وسد الأمر إليهم وما كانوا له بأهل، فانقسموا إلى معسكرات، وعمل كل منهم على تقويض حكم جاره وضم أرضه إليه. ولطالما حال هؤلاء دون تسليح جيوشهم بغبائهم تارة وتسلط المستعمر عليهم تارة أخرى، وأضاعوا أموال بلدانهم ومواردها في سبيل تثبيت حكمهم الجائر وقمع المعارضة حيثما كانت. فصارت أموال البلاد دولة في الرقابة وأجهزة الأمن وشرذمة المنافقين حول هؤلاء الحكام ينفقونها حيث يشاءون وحين حان الجد قاوموا متفرقين وقاتلوا منهزمين، وسرعان ما جاءت الأوامر بالانسحاب، ولا غزو، فهذا مصيرهم ولو قاتلوا عرائس من الدمى.79
ولكن زعماء وقادة الأمة العربية - والحق يقال - قد برعوا في ميدان آخر وأظهروا فيه ضروباً من الإبداع والفن وذلك هو إلقاء الخطب الرنانة واستمالة الغوغاء الذين هم أتباع كل ناعق المصفقين لكل من علا صوته وضرب الطاولة بيديه. برز هؤلاء في فن المسرح والتمثيل على العامة من الجماهير فصاروا أبطالاً جهابذة، ويحدثنا خالد العظم في معرض حديثه عن القضية الفلسطينية عن هؤلاء القادة، وفي كلامه عبرة لهم - وقد كان أحدهم - أن لا يصدقوا جموع الغوغاء التي هتفت لأعدائهم قبل أن تهتف لهم وبعد أن هتف لهم. ويتكلم بعد ذلك عن مصير هؤلاء الزعماء وكيف أنه لم ينفعهم تصفيق ولا إلقاء خطب ولم يتقدم واحد من الغوغاء لمساعدة زعيمه عند محنته أو الإطاحة به. يقول خالد:
«فمصيبة العرب ليست من فعل أعدائهم فحسب، بل من فعل زعمائهم وقادتهم، ومن فعل خطأ العرب في الثقة العمياء التي يولونهم إياها. وكأن الهتافات الصارخة التي يستقبلونهم بها نداءات استنجاد واستعطاف. والزعماء تؤذيهم هذه الهتافات الساذجة لأنها تخلق في نفوسهم كثيراً من الغرور والاعتزاز وتوجد لديهم اعتداداً بالنفس واعتقاداً بعبقريتهم وهم في الواقع خالون منها. وكلما زادت الهتافات ازداد ظن الزعماء أن الشعب إنما يهتف إظهاراً لتأييده وموافقته على الخطة التي يسيرون عليها.
ويغيب عنهم أن مظاهرات الولاء مهما كانت صارخة جارفة فهي مختلقة ومفتعلة في أكثر الأحيان. فكثيراً ما حملت الجماهير على ناقلات وجيء بها إلى المدينة تحت ضغط أفراد الدرك. وكثيراً ما رأينا شوارع المدينة تشعشع بالزينات الكهربائية المضيئة وتزدهي بأقواس النصر العديدة. وهذا كله، إنما أقامه أصحاب المحلات التجارية تحت التهديد والقسر. فتجتمع عشرات الألوف من الخلائق أمام مقر الزعيم، وتظل تناديه وتستعطفه حتى يطل عليها من شرفة القصر. فينقلب التصفيق إلى مظهر من مظاهر الهستيريا. ويبدأ الزعيم خطابه، وتمضي الجماهير على التصفيق، غير سامعة ولا عابئة بما يقول، لأنها قدمت للفرجة و «الهيصة»، لا لتلقي الإرشاد والتوجيه. ويستمر الزعيم على الخطابة ترديداً وإطالة، وإيراداً لجمل جوفاء خالية من اللب والجوهر، مرصوفة التعابير لا ندرك منها سوى: الوطن، الاستعمار، العملاء، فلسطين الشهيدة، الزحف المقدس، الثورة، وغير ذلك من الكلمات المقصود بها إثارة الحماس واستمطار التصفيق والهتاف. صحيح أن لهذه الخطب مثل هذا المفعول، ولكن ليس لها في الواقع أثر80 في استرداد فلسطين. فلو كان لها هذه النتيجة الباهرة، لكنا حصلنا عليها بعد عشرات ألوف الخطب التي ألقيت منذ (1947) حتى الآن.
وأكثر ما يزهو به الزعيم ويسلب لبه هو إقدام الجماهير على حمله على الأكتاف وبالأكثر جر عربته، أو رفع سيارته على الأعناق، والسير بالموكب فيما الزعيم يتهادى في سيارته على أمواج الخلائق، والهتافات تشق عنان السماوات، والأكف تلتهب من التصفيق، ويوقن الزعيم أنه وصل إلى ذروة المجد، وأن تعلق الشعب به أصبح كتعلق العبد بالسيد. وهو ينسى أن هذا المظهر الخداع قد فاز به قبله الجنرال غورو نفسه قاهر الجيش العربي في ميسلون، وفاتح دمشق في (1920). فالجماهير عندما تتدفق كالسيل الذي يحمل ما يصادفه، وكالنار تلتهم كل ما تقترب ألسنتها منه، هي قوة جارفة ورافعة تفعل فعل الآلة التي تحركها اليد: تدفع وترفع، تهوي وتسقط، من غير وعي ولا تمييز! وهي إنما تقوم بتوجيهها عقول أفراد قليلي العدد، يستولون على مشاعر الجمهور ويقودونه. وحتى هؤلاء قد ينخدعون في بعض الأحايين فيرفعون على الهامات من يظنون به الخير، أو يسقطون إلى الحضيض من يبدو أنه انحرف أو خان!
والشعب بمجموعه ساذج ينطلي عليه الكثير من الأباطيل وتفعل فيه الدعاية. إلا أنها إذا زادت عن الحد المعقول وانصرفت إلى الخداع المفضوح، كان لها الأثر المعكوس. فالشعب مع طيب سريرته، لا يخلو ممن يمعنون في التفكير بما يسمعون وما يقرأون وما يرون. وهو يخدع في بعض الأوقات، بحيث يبدو بسكوته أو بخنوعه كأنه مصدق لما يسمع، في حين أنه يتربص وينتظر الفرص لإبداء رأيه الصريح، أو هو يتمتمه في السر. ثم تنقلب هذه الغمغمة إلى الانتقاد العلني، ثم إلى الانتقاض والثورة الجامحة عند سنوح الفرصة ووجود القادة الموجهين الذين يأخذون بزمام الأمر في يدهم ويسيرون بالجموع الجارفة...
وقد شاهدت الجماهير الغفيرة تستقبل الأمير فيصل وتحمله فوق الرؤوس. وسمعت أنها حملت عربة الجنرال غورو ثم حملت الشهبندر من بعده، وبحت أصواتها بالهتاف لفوزي الغزي وهاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو وصبحي بركات والداماد أحمد نامي والشيخ تاج الدين الحسيني وجميل مردم وسعد الله الجابري وشكري القوتلي وحسني الزعيم وأديب اشيشكلي وأكرم الحوراني وخالد بكداش والرئيس عبد الناصر81 ولم تبخل علي الجماهير بهتافاتها، خاصة في اللاذقية وحماة ودمشق . فهل ظل تعلق هذه الجماهير واستمر؟ فالملك فيصل أخرجه الفرنسيون من دمشق، فلم يرتفع صوت لمصلحته. واغتيل فوزي الغزي والدكتور شهبندر. ومات الحسيني غير مأسوف عليه. وثار ضباط الجيش وقتلوا حسني الزعيم. ومات الجابري وهنانو وبركات ونسي ذكرهم. وهاجر جميل مردم إلى القاهرة وطمس اسمه. وهرب الشيشكلي إلى أوروبا وغضبت الناس عليه. وظل الأتاسي يعاني مرارة ارتحال معاصريه والألم الناشئ عن سجن ابنه عدنان. أما أكرم الحوراني وخالد بكداش وأنا، فقد أبعدنا عن ساحة العمل السياسي، فلم يرتفع صوت باستنكار ذلك... وما نصيب عبد الناصر من هذه الجماهير إلا نصيب واحد ممن سبقوه. وأرجو الله أن يكون هيناً رقيقاً.
فبلهاء هم الذين تخدعهم مظاهر الجماهير. ومغفلون هم إذا اعتمدوا على استمرار ولائها. فهي كالريح تعصف مرة من الشرق ومرة من الغرب!
ولم ينته أجل واحد من قادة سورية وهو في أوج عزه. ولست أدري إذا كان ذلك من قبيل المصادفة المجردة أم من سوء الطالع. أما القوتلي فأنهى حياته السياسية بتسليم بلاده إلى زميله عبد الناصر ، ففتح صفحة جديدة من حياته مليئة بالنفاق والرياء والارتماء بين أرجل الحكام المصريين. وبإلقاء خطب المديح والثناء على أعمال لاشك أنه لا يستسيغها في قرارة نفسه. غير أن الراتب الضخم الذي خصص له والدار التي يسكنها بالمجان والخدم والحشم الذين تدفع الخزينة رواتبهم... كل ذلك كان أحجاراً لقم فمه بها ولم يبق منه سوى منفذ ضيق يستنشق الهواء منه ويطلق المديح والتلفيق متظاهراً بدعم الوضع الحاضر، وهو لا ينسى تنازله عن الرئاسة التي ارتكب كل حطيطة في سبيل بلوغها والمحافظة عليها».
أسهب خالد العظم في الحديث عن أخطاء وسلبيات شكري القوتلي وغيره من كبار الزعماء العرب وعن تملق هؤلاء جميعاً للغوغاء ورفعهم شعارات مزيفة... ولم يستثن نفسه وإن كان لم يحملها ما حمل غيره، والحقيقة أن كل ما ذكره عن غيره ينطبق عليه فلقد خدعه المال والغوغاء ونادى بشعارات ما كان يؤمن بها، وكان الشعب المسحوق في واد وهو في واد آخر.
وعاصر خالد العظم محنة فلسطين وهزيمة الجيوش العربية الساحقة أمام حفنة82 من اليهود عام (1948)، وبعد المحنة تسلم رئاسة وزراء سورية وشارك في مؤتمرات العرب، وفيما يلي يذكر أهم الأسباب التي أدت إلى خسائر الحرب، وقد ذكرناها مع الاختصار ثم يتحدث عن الحلول المقترحة:
  1. الأسباب التي أدت إلى خسارة حرب فلسطين
    1- تفرق الكلمة لا بين العرب لكن بين ملوكهم ورؤسائهم، والتحاسد والتباغض اللذين أديا إلى انقسامهم معسكرين هاشمي وغير هاشمي. فكان عبد العزيز بن سعود يدأب إلى مناوأة ملكي العراق والأردن ، وكان الملك عبد الله يسعى لضم سورية إلى الأردن ، وكان ملك العراق يدبر المؤامرات لإدخال سورية والأردن والعراق في الهلال الخصيب، فكيف يمكن قيام جبهة عربية موحدة ورؤساؤها يصرفون جهودهم لمحاربة بعضهم البعض.
    2- تسلط النفوذ البريطاني على ملوك العرب ورؤسائهم وقد تبلور ذلك بالتريث في الهجوم على فلسطين قبل انسحاب الجيوش البريطانية. ففي سورية كان الكولونيل كورانوالس البريطاني حلقة وصل بين وزارة الخارجية البريطانية والسيدين شكري القوتلي وجميل مردم. أما ملوك العراق والأردن والسعودية ورئيس لبنان فقد اكتفوا باحتلال الأراضي المخصصة للعرب بموجب قرار التقسيم وامتنعوا عن دخول غيرها.
    3- فقدان السلاح والذخيرة في جميع الجيوش العربية فقد دخلت المعركة ولم يكن لديها أكثر مما يستهلكه جيش منظم بمعركة تدوم يومين كما يقول حسني الزعيم، وتقع المسؤولية على الرؤساء الذين أخذوا على عاتقهم السياسة الخارجية والعسكرية ولم يعطوا لحكوماتهم حق النظر في هذين القطاعين. وقبل منع الدول الكبرى تصدير السلاح إلى دول الشرق الأدنى لم يزود الرؤساء جيوشهم بالأسلحة وبقوا على سياسة العناد والرفض دون تسليح وتجهيز بل اكتفوا بالخطب الرنانة، وبعد وقوع الواقعة تداركوا الأمر فأخذ السوريون يشترون سلاحهم المهرب إلى الأردن وأخذوا يشترون الأسلحة الفاسدة من أوروبا.
    4- لم يعمل الحكام العرب على إحكام انسجام بين جيوشهم وبين القوى الداخلية بقيادة الحاج أمين الحسيني ولم يمدوها بالمعونات خوفاً من ازدياد نفوذ المفتي وكل 83 له مطامع وأحلام.
    5- دعوة الحكومات العربية أهالي فلسطين إلى الجلاء عنها واللجوء إلى البلاد العربية المجاورة، وقد أفاد هذا الهروب الجماعي اليهود كثيراً، فقد طالبوهم منذ عام (1948) بإعادة اللاجئين إلى ديارهم وهم الذين حملوهم على الخروج منها حيث عاشوا حياة مزرية في مخيمات مزدحمة فأدى هذا بهم إلى الفساد فامتهن شبابهم القتل والسرقة وتبعوا من طالبهم بالاغتيالات والتفجيرات وإلقاء القنابل على الدور والسيارات. «وليس هناك أي عمل جاد لدى العرب أو الأمم المتحدة على إسكانهم أو حل مشاكلهم أو إعادتهم إلى ديارهم».
    6- يجب أن لا ننكر أن اليهود هاجروا من أقاصي الأرض إلى فلسطين في عز شبابهم ونضارة أجسامهم وأصبحوا كتلة متراصة يوحدها هدف واحد رغم اختلاف الأجناس واللغات فهم كالكوكب اللامع الجديد.
    «فنحن العرب مثل الكوكب الكهل بلغت منا الشيخوخة ووصل بنا العجز إلى ما نحن فيه من ارتخاء وتواكل وفقدان العزائم ولا يعيد إلينا النشاط والحيوية سوى صدمة قوية تدفع قوانا الخائرة وتبعثها إلى الوجود ثانية، بقيادة حكيمة تسير بالأمة في الطريق المؤدي إلى العلى والعز بخطى ثابتة خالصة بريئة من كل شائبة، وكان جديراً بنا أن نعتبر كارثة فلسطين الصدمة القوية المنتظرة لكن بقاء الرؤساء المسؤولين عن الكارثة نفسها على رئاسة الحكم حال دون حصول الثورة المنتظرة».
  2. الحلول المقترحة عند خالد العظم وما يزعم أنه عمل له خلال وزارته
    1- من الجنون تصور هزيمة إسرائيل وإلقاء آخر يهودي في البحر في الوقت الحاضر وحالة العرب الفرقة والتباغض والضعف فلا الوسائل موجودة ولا النية معقودة أصلاً. فما علينا إلا انتظار انحلال الأمم المتحدة وتضامنها وبلوغ قوانا الحد اللازم من القوة والمنعة.
    2- لا نجلس خلال هذا الوقت مكتوفي الأيدي وإنما نعمل جاهدين لتوحيد كلمة 84 العرب وتجهيز الجيوش وتعويد الشعوب على الحرب حتى يأتي يوم مواتٍ لتحرير فلسطين إما بانحلال الأمم المتحدة أو نشوب حرب عالمية توحد فيها جهودنا مع الفريق الذي يساعدنا على استعادة فلسطين.
    3- مساومة الدول الكبرى والأمم المتحدة خلال هذه الفترة لإيجاد حل مؤقت للفلسطينيين ولكن المشكلة أن زعماء العرب يخشون القبول بحلول مؤقتة . 85