حسن عودة
«استعرض الكاتب في العدد الماضي سير المفاوضات، ومدى الإهانة التي لحقت بالمفاوضين العرب. ويركز في هذه الحلقة على الفوائد التي جنتها إسرائيل في مفاوضات واشنطن».
  1. عود على بدء.. من الذي انتصر؟
    والآن لنعد إلى ما ورد في مقدمة المقال حول الانتصار العربي في مدريد... فهل حقق العرب انتصاراً حقيقياً في مدريد؟ للإجابة على هذا السؤال لابد لنا من العودة قليلاً إلى الوراء ولندرس الفترة الزمنية التي تلت مؤتمر مدريد فننظر مدى التغير الذي طرأ على الوضع في المنطقة وهل فعلاً بدأت إسرائيل في اتخاذ الإجراءات اللازمة والاستعداد لمرحلة السلام مع العرب (بالمفهوم العربي) أم أن الأمر عكس ذلك؟
    يمكن حصر الموقف الإسرائيلي في أعقاب مؤتمر مدريد فيما يلي:
    أولاً: المستوطنات: لقد زادت إسرائيل بعد مؤتمر مدريد من وتيرة بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة حتى أن أحد المصادر أشار إلى «أن عدد المستوطنات التي تم إنشاءها خلال شهر بعد انتهاء مؤتمر مدريد يزيد عن عدد 94 المستوطنات التي شيدتها إسرائيل خلال الأشهر الأولى من عام 1991م جميعاً وذكر التقرير الذي أعده مركز القدس للإعلام والاتصال بالتعاون مع مؤسسة الأرض والمياه بأن السلطات الإسرائيلية صادرت منذ افتتاح مؤتمر مدريد وحتى كتابة التقرير في (21 / 11 / 1991) ما يقرب من 20 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية كما أحصى ما عدده 1140 وحدة سكنية على الأقل قد أضيفت إلى المستوطنات، كما بدأ العمل ببناء مستوطنة جديدة في نابلس تسمى غينون أرييل» . وقد شيدت إسرائيل بعد ذلك مستوطنتين أخريين إحداهما في مدينة البيرة والأخرى في غزة. وفي تقرير لمؤسسة السلام الأمريكي للشرق الأوسط حول الأرض والمستوطنات، «بأن عدد المستوطنات في الأراضي المحتلة بعد عام 1967م بلغ كما يلي:
    1- الضفة الغربية: تضم (150) مستوطنة يعيش فيها ما يزيد على (85) ألف مستوطن يهودي.
    2- القدس الشرقية: ويعيش فيها ما يزيد على (140) ألف مستوطن يهودي.
    3- الجولان: تضم (35) مستوطنة يعيش فيها (12) ألف مستوطن يهودي.
    ويخطط برنامج المستوطنات لبناء مساكن بالأراضي المحتلة لتوطين (120) ألف يهودي كل عام وأنه بنهاية عام 1991 سيكون عدد المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة عام 1967 (250) ألف مستوطن يسكنون في (210) مستوطنة. ويضيف التقرير إلى أن الهدف من وراء إقامة المستوطنات هو التأكيد على حق السيادة الإسرائيلية على الأراضي التي احتلتها في عام 1967م) .
    في حين يشير تقرير آخر إلى أن إسرائيل «تزمع إقامة مائة ألف وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية وبضع آلاف من الوحدات السكنية في مرتفعات الجولان السورية لتوطين (400) ألف مستوطن من المهاجرين الجدد... ويضيف التقرير إلى أن سلطات الاحتلال قد صادرت منذ نهاية حرب الخليج (وحتى تاريخ إصدار التقرير في 22 / 7 / 1991م) ما يزيد على (84228) دونم من أراضي الفلسطينيين في شتى أنحاء الضفة الغربية لإنشاء 11 مواقع استيطانية جديدة» إضافة إلى المستوطنات فقد «باشرت السلطات الإسرائيلية بإقامة شبكة حديثة من الطرق في الضفة الغربية... وذلك لتكون مع سلسلة المستوطنات منطقة عازلة بين المدن والقرى الفلسطينية ونهر 95 الأردن» .
    كما أشار تقرير ورد من الأراضي المحتلة «إلى وجود خطة إسرائيلية ذات شقين: الأول خطة قصيرة الأجل تنتهي عام 1995م وتهدف إلى مصادرة مليون ونصف دونم من أراضي الضفة الغربية لتصل مساحة الأراضي المصادر منها إلى حوالي أربعة ملايين دونم من إجمالي مساحة الضفة البالغة خمسة ملايين ونصف مليون دونم. كما تتضمن الخطة إنشاء 185 مستوطنة جديدة في الجليل والنقب وإقامة خمس مدن استيطانية جديدة في الضفة الغربية سعة كل منها (20) ألف مستوطنة وإقامة عشر قرى كبيرة سعة كل منها عشرة آلاف مستوطن. أما الخطة الطويلة الأجل والتي تنتهي عام 2010م فتهدف إلى بناء 165 مستوطنة في الضفة وفي أماكن سكنية عربية تم اختيارها بدقة لتوطين مليون وثلاثمائة ألف مهاجر يهودي جديد» [صحيفة الشرق الأوسط 29 / 12 / 1991]. ويضاف لهذه الدعوة المتكررة من قيادات المستوطنين بإقامة مستوطنة جديدة في كل مكان يسقط فيه يهودي قتيلاً حتى لو كان معتدياً!!.
    إن هذا وغيره كثير يدل على أن إسرائيل إنما تريد أن تفرض سياسة الأمر الواقع على الأراضي المحتلة، وخاصة الضفة الغربية، بحيث يصبح اليهود هم الأغلبية في هذه المناطق في حين يبقى العرب محشورين في مناطق جيتو محصورة بين المدن الإسرائيلية. وتدل هذه الإجراءات على أن إسرائيل تريد زرع المستوطنات في المواقع التي تخشى فيها من التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية. كما تدل على خطة إسرائيلية لإحاطة المستوطنات اليهودية بطرق رئيسية مرتبطة بالمدن الإسرائيلية مما يحول المدن والقرى العربية إلى مناطق معزولة ومحاصرة من جميع الجهات.
  2. ثانياً: تهويد القدس
    لقد بدأت إسرائيل العمل الدؤوب من أجل تهويد هذه المدينة المقدسة وتحقيق الآمال اليهودية القديمة فيها، والتي بدأت بمقولة هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1898م: «إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها وسوف أدمر الآثار التي مرت عليها القرون» .
    ولقد بدأ هذا المسلسل بسرقة جميع الوثائق والسجلات الخاصة بالمحكمة 96 الإسلامية الشرعية بـالقدس، حيث «قامت مجموعة من أفراد الشرطة الإسرائيلية باقتحام المحكمة الشرعية في القدس وسرقة كل السجلات والوثائق الموجودة بها والتي تشمل السجلات التاريخية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية للمدن الفلسطينية إضافة إلى وثائق المحكمة» ، وبطبيعة الحال فإن الهدف الإسرائيلي من وراء هذا السطو هو الحصول على سجلات المحكمة الخاصة بالحجج الوقفية، التي تثبت حقوق المسلمين في كثير من البيوت الوقفية والمناطق في القدس. ومن ثم تسهيل عملية تهويد القدس عن طريق الاستيلاء على مزيد من الأراضي والممتلكات فيها بحجة عدم وجود مالك صريح لها. وهو ما حدث بالفعل وسيحدث في المستقبل «فقد استولى مجموعة من المستوطنين اليهود على أكثر من 50 منزلاً في الحي الإسلامي من المدينة القديمة» .
    بعد ذلك قامت مجموعات المستوطنين الإسرائيليين والمدعومين بالشرطة الإسرائيلية بالاستيلاء على عدد من المساكن في منطقة سلوان القريبة من القدس الشرقية وطرد أهلها العرب الساكنين فيها وإلقاء أمتعتهم خارجها وقد «أصدر مجلس الوزراء الإسرائيلي قراراً يسمح لليهود بالاستيطان في سلوان» .
    وتأتي أهمية سلوان من موقعها الاستراتيجي فإسرائيل «استطاعت أن تطبق على مدينة القدس من جميع الجهات من الغرب والجنوب الغربي عبر احتلالها للقسم العربي من القدس عام 1967، ومن الشمال على طريق رام الله عبر إنشائها لعدد من المستعمرات ومن الجنوب عبر إنشاء مستعمرة جيلو ومن الشمال الشرقي عبر مستعمرة ومستشفى هداسا على جبل الزيتون، ولم يبق إلا الطريق المؤدي من مدينة القدس إلى أريحا إلى الشرق» . وفي هذا السياق صرح شامير بأن «سلوان أو مدينة داود تشكل قضية أمنية بالغة الخطورة بالنسبة لإسرائيل ويجب تغليبها على حقوق الملكية» .من جانب آخر ذكرت هاآرتس «أن حكومة شامير تزمع بناء أربعة آلاف وحدة سكنية جديدة في منطقة القدس الشرقية وحدها» .
  3. ضم الجولان
    بعد عودة الوفد الإسرائيلي من مدريد سارع رئيس الوزراء شامير إلى تكوين 97 لجنة من الخبراء والمستشارين الإسرائيليين، مهمتها مواكبة المفاوضات حول الجولان وتقديم تقرير بذلك إلى الكنيست الإسرائيلي، وبالفعل فقد وافق الكنيست الإسرائيلي (بتاريخ 11 / 11 / 1991 أي بعد عدة أيام فقط من انتهاء مؤتمر مدريد) على مشروع قرار تقدم به نواب من الحزب اليميني وينص على أن (أي تفاوض إسرائيلي مع سوريا بشأن الجولان غير شرعي وغير قانوني وعلى أن الجولان جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل علماً بأن إسرائيل كانت قد ضمنت الجولان بموجب قرار صدر إليها بموجب قرار صدر في 14 / 12 / 1981 عن الكنيست الإسرائيلي ، إلا أن القرار الجديد جاء ليؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك بأن الجولان جزء لا يتجزأ من إسرائيل ولا يمكن التفريط فيها.
    إضافة على جميع ما ذكر ازداد القصف الإسرائيلي للأماكن المأهولة في جنوب لبنان، وتم فرض حظر التجول على منطقتي البيرة ورام الله وقطاع غزة لمدة عشرة أيام كاملة. أما العقاب العالمي الذي تلقته إسرائيل نتيجة تلك التجاوزات فهو موافقة مجلس الأمن وبأغلبية ساحقة في يوم 17 / 12 / 1991 على قرار يلغي قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية والذي كان مجلس الأمن قد أصدره في 10 / 11 / 1975م. ورحبت إسرائيل بهذا العقاب الصارم فقد صرح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ «أنه بإلغاء القرار أزالت الأمم المتحدة وصمة عار لحقت باسمها وسمعتها الطيبة وأضاف أن إلغاء القرار الذي حث عليه الرئيس الأمريكي بوش يعكس رغبة متنامية في الشرق الأوسط في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل من تدميرها» ، كما رحبت الولايات المتحدة بالقرار «مذكرة بأنها هي التي اتخذت المبادرة إلى إلغائه، وقالت بأنها رفضت القرار القديم منذ اعتماده لأنه يعتبر التطلعات القومية للشعب اليهودي ووجود إسرائيل أموراً غير مشروعة» . ومن الغرائب التي لا تنتهي أن دول الخليج ما عدا السعودية إضافة إلى مصر ودول أخرى لم تصوت ضد إلغاء القرار الذي كان يحمل بصمات بوش وبيكر الصارخة!!.
    قد يسأل سائل بعد هذا كله لماذا إذاً تصور العرب أنهم قد انتصروا في مدريد ولماذا هذه الهالة الإعلامية الضخمة، ولماذا سمحت إسرائيل للعرب أن يتنصروا في مدريد؟. مما لاشك فيه أن هناك سببين وراء ذلك فالشعوب العربية كانت متشككة في جدية عملية السلام برمتها، لذا كان لزاماً إقناعهم بأن هناك جدوى من وراء المفاوضات وأن مالم يستطيعوا تحقيقه بالسيف سيحققونه بالسلام، وهو ما وصفه أحد 98 الكتاب العرب بقوله «إن الرأي العام العربي بات مقتنعاً بعملية السلام (بعد مدريد) وواعياً لمخاطر المرحلة التي يعيشها الآن، وأسهم هذا المنهج العقلاني في تراجع التطرف وانتصار السياسة العقلانية والواقعية» .
    والسبب الآخر أن الانتصار الإعلامي الدولي الذي له قواعده وضوابطه... فالعرب بحالهم اليوم قد ينجحون بشكل جزئي في تصحيح بعض الصورة الكالحة والمرسومة في عقول الغربيين لاسيما الأمريكان... لكن الكفة والنصر على المستوى الإعلامي الدولي يبقى أقرب لإسرائيل للتعاطف الشعبي والتقارب العقدي والعنصري إضافة إلى السيطرة الصهيونية والتعاطف الكبير في أجهزة الإعلام الأمريكية والأوربية مع المشروع الصهيوني (راجع السنة عدد 18 لمزيد من التفاصيل)، لاسيما في مرحلة الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتسابق المرشحين لإرضاء اليهود.
  4. الخاتمة
    كشفت محادثات واشنطن بالدليل القاطع أن عملية السلام الحالية لن تجر على العرب والمسلمين إلا الذل والمزيد من التنازلات، فالحكومة الإسرائيلية لن تقدم التنازلات بل ولا تستطيع ذلك وللتدليل على ذلك لنستعرض بعض التصريحات التي أدلى بها القادة الإسرائيليون، وما أكثرها، بعد مفاوضات مدريد وخلال مفاوضات واشنطن.
    يقول إسحاق شامير: «إننا لا ننوي تقديم تنازلات في الأراضي إننا نحتاج إلى حد أدنى من المساحة حتى نعيش فيها» .
    ويقول أيضاً: «إن الخط المركزي الإسرائيلي هو العمل من أجل السلام والحفاظ على أرض إسرائيل بما فيها الأراضي المحتلة وأن مفاوضات واشنطن ستركز مجدداً على مسائل تتعلق بالمفاوضات المقبلة والتي من بينها مكان المفاوضات المقبلة ومسائل إجرائية أخرى» .
    وفي تصريح ثالث: «إن الحفاظ على أرض إسرائيل أسمى من كل شيء وأن المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة يمثلون كل إسرائيل.. يا من تعيشون في يهودا والسامرة وقطاع غزة والجولان أنتم ممثلون لشعب إسرائيل كلنا معكم بارككم الله... إنه حين ذهب مبعوثونا المخلصون الذين يمثلون دولة إسرائيل بأمانة وحكمة إلى مدريد 99 وواشنطن نقشوا على قلوبهم وأمام أعينهم هذه الوصية «حافظوا على أرض إسرائيل وأحلوا السلام.. لقد أدى مبعوثونا مهمتهم بحماس وسيواصلون القيام بها بمهارة وحكمة وذكاء بنفس قريرة وبكل حرارة قلوبهم فلنبارك لهؤلاء المبعوثين عملهم الجيد» .
    ويلخص نظرته قائلاً: «يجب أن لا نضلل العرب فخطنا هو العمل من أجل السلام والحفاظ على أرض إسرائيل» .
    وأما وزير دفاعه موشي أرينز المرشح لخلافة شامير ووراثته فيقول: «إن الحكومة عازمة على المضي قدماً في إقامة المستوطنات في الضفة والقطاع لتعزيز الأمن وتكثيف الوجود اليهودي فيها» .
    ويقول موشي بن أهارون: «إذا توقع العرب الحصول على أرض مقابل السلام فلن يتم إحراز أي تقدم» .
    وأخيراً يقول الوجه الصهيوني الأمريكي فليدمان: «إن إسرائيل لا تعتبر احتلالها للأراضي العربي مرحلياً أو لفترة مؤقتة من الاحتلال العسكري ولكنها تعتبر الاحتلال قضية إسرائيلية صهيونية طبقاً لتعاليم الصهيونية العالمية» .
    وبعد: هذه مواقف القادة الصهاينة المنطلقة من عقيدة ولو باطلة... وتلك شعارات قادة الهزائم والانكسارات التي تملأ الفضاء ضجيجاً وهي تنادي بالعقلانية والواقعية ونبذ التطرف والإرهاب فهل نتساءل عن المنتصر والمهزوم؟! لعل من المناسب أن نترك المجال لـجريدة لوس أنجلوس تايمز - الصهيونية الميول - تجيب عن هذا السؤال فتقول: «لقد كشف مؤتمر مدريد عما يمكن أن يحدث عندما تنتهي المعركة بعد رغبة المنتصر في إعلان انتصاره وعدم قبول المهزوم الاعتراف بهزيمته، إلا أننا إذا ما عرفنا بأن المنتصر هي إسرائيل المغتصبة والباحثة عن الاستقرار - بمفهومها - والمهزوم هم العرب المغرورون والحكم والقاضي هو المراوغ الأمريكي جيمس بيكر فإن الأمر يبدو أكثر معقولية... إن وزير خارجيتنا عديم العطف والإحساس وقد استطاع أن يبدأ علمية السلام انطلاقاً من حساباته الخاصة التي 100 تتلخص في أن خسارة العرب لمعركتين متتاليتين واحدة باردة وأخرى ساخنة تركت العرب ضعفاء جدا حتى صاروا مستعدين للتفاوض» . *** 101