عبد الله الخطيب
بسرعة فائقة تفجرت مشكلة المركز الحدودي في منطقة «الخفوس» بين السعودية وقطر، وبدا أن المشكلة آخذة في التصاعد، ولعل آخر التطورات في هذا الخط البياني المتوتر ما أعلنته قطر من نية الانسحاب من القمة الخليجية والتي من المقرر أن تنعقد في أبو ظبي... ولنبدأ القصة من أولها...
بالرغم من الاتفاق الحدودي الموقع بين قطر والسعودية، عام 1965م ظلت الحدود غير مرسمة على الأرض بين الدولتين، وفي صفقة سابقة قامت السعودية بالتنازل عن أجزاء من واحة البريمي للإمارات المتحدة مقابل الشريط الساحلي المعروف بخور العديد والذي أصبح بمثابة حاجز طبيعي بين قطر والإمارات حيث أصبح على القطريين أن يمروا بهذه المنطقة السعودية للوصول إلى الإمارات بدلاً من أن تكون هناك حدود مشتركة ومباشرة بين قطر والإمارات، لقد شعر القطريون أنهم محاصرون بالسعودية من كل الجهات وأبدوا تمعرهم وعدم رضاهم في مناسبات عديدة... ويبدو أن المخاوف القطرية قد تعززت بعد أن أخذت السعودية 68 جانب البحرين في النزاع على جزر حوار وفشت الديبل، التي تدعي كل من البحرين وقطر ملكيتها في نزاع سخيف يظهر الخلفية الفكرية المتأخرة لحكام هذه المشيخات!!، وخلال حرب الخليج، كانت قطر تتزعم تدعيم العلاقات مع إيران في محاولة لتحييد النفوذ السعودي المتزايد داخل مجلس التعاون الخليجي، كما ظهر في بيان قمة الدوحة التي عقدت قبيل حرب الخليج، ومع الزمن بدا أن محوراً يتشكل من قطر وعمان بالدرجة الأولى والإمارات بصورة أقل يدعو إلى تمتين العلاقات الإيرانية لإقامة نوع من المحور الهادف إلى استقلالية هذه الدول عن محور الرياض- البحرين - الكويت الذي بدا قوياً لا سيما في فترة الحرب...
من هنا سعت قطر إلى إبراز الدور الإيراني في الخليج وإبرام الصفقات الضخمة لتقول للرياض: نحن قادرون على الاستقلالية وضرب القوى الإقليمية بعضها ببعض لتحقيق مصلحة المشيخة الصغيرة، وهو ذات السلوك الذي لعبته إمارة الكويت قرب حرب الخليج باتخاذها مواقف شاذة سعياً لضرب العراق بالسعودية والسعودية بإيران وإيران بالعراق...
ومع احتلال جزر أبو موسى بشكل شبه نهائي من قبل إيران بدا أن الجو مناسب تماماً لكي تصفي قطر مشكلتها الحدودية مع السعودية حيث يظهر جانب الدولة الكبيرة (السعودية) مقابل الدولة الصغيرة (قطر) محاكياً لقصة إيران والإمارات أو القصة الأكثر شهرة التي جرت قبل عامين في الثاني من أغسطس عام 1990م.
صحيح أن الخلاف دار هناك حول «الرميلة» وهنا حول «الخفوس» لكن القصة في كلا الوضعين تخفي كماً متراكماً من الأساليب المتهافتة في إدارة الحكم والصراع.
وبالرغم من تضارب الأقوال والروايات، فإن أكثرها قرباً للواقع تلك التي تتحدث عن إقامة قطر خلال الفترة الأخيرة لمركز حدودي (عبارة عن 69 خيام) في منطقة الخفوس التي تدعي السعودية أنها من نصيبها طبقاً للاتفاق السابق، ولذا فقد توجهت مجموعة من (المجاهدين) وهي قوات شعبية غير نظامية من أبناء القبائل الذين لا يملكون من الاسم الرنان سوى بطاقة، وتاريخ غابر يرجع إلى وقت توحيد الجزيرة وبندق صيد وراتب بسيط يكفل ولاءهم!! طلب زعيم المجاهدين كان يستقل سيارة تابعة للحرس الوطني من آمر المركز القطري الذي ينتمي لنفس القبيلة من آل مرة أن يسلم سلاحه وأن يطوي المخيم المقام بصورة غير نظامية، وتطور النزاع إلى تلاسن ثم تشاحن ثم أطلق الآمر القطري الرصاص على (المجاهدين) فأردى أميرهم قتيلاً، فرد الطرف الآخر بإطلاق الرصاص... وبقية القصة معروفة...
لقد صعدت قطر من القضية وتفاعلاتها بصورة درماتيكية وكأنها قضية حياة أو موت.. ولم تقصر الدولة الرافضية الإيرانية فدخلت طرفاً في الموضوع وأعلنت أنها مستعدة للدفاع عن قطر لاستغلال الفرصة الذهبية التي صنعتها لها السياسات العشوائية والمتخبطة لحكام الخليج...
ثم اكتمل المشهد الفكاهي بأن أعادت قطر علاقتها مع «صدام» وبجرة قلم من الاستراتيجي الكبير «حمد بن خليفة» وكأن ما جرى وقيل بين الطرفين.. حلم ليلة صيف.
بعد هذا الاستعراض نريد أن نقرر بعض الحقائق التي يجب أن نستحضرها عند تحليل المسألة، خصوصاً وأنها مرشحة للتصعيد لا سيما من قبل قطر...
-أولاً: إن منطقة الخليج منطقة جغرافية وسكانية واجتماعية واحدة وإن نجح المستعمر الإنجليزي بتقسيمها وتفتيتها وزرع الخلافات بين أبناء الشعب الواحد بل القبيلة الواحدة، وإن وحدة شعوب الخليج قائمة حتى في ظل الكساح والعجز الذي تعيشه أنظمة هذه الكيانات التي عجزت من 70 خلال مجلس التعاون الخليجي في نقل الوحدة الشعبية القائمة إلى واقع سياسي ورسمي، ولعل في مثال قطر والسعودية خير شاهد، فالبلدان هما أشبه دول الخليج ببعضهما، فالعادات والتقاليد والتدين الفطري والتركيبة السكانية هي ذاتها، ولعل قطر بسكانها القطريين البالغ تعدادهم 70.000 هم أكثر سكان الإمارات الخليجية تجانساً مع مواطني السعودية، كما أنهم أوثق شعب الخليج بشعب السعودية علاقة، وهذا يفسر عدم رضا كثير من القطريين من خطوات التصعيد التي قامت بها حكومتهم.
-ثانياً: إن المنطقة ومنذ حرب الخليج دخلت مرحلة جديدة من العلاقات بين الدول المتجاورة، ففي السابق كان الخلاف بين أنظمة الحكم لا يمس الشعوب، أما الآن فقد تفننت أنظمة الحكم في تكريس العداء بين أبناء العقيدة والدم والتاريخ المشترك، وهذا الخلاف يكرس الفرقة ويقحم الشعوب في أزمة الشقاق الذي تصنعه القيادات الجشعة التي لا هم لها سوى جمع السلطة والثراء في يد الأسر الحاكمة، وهي حين تفتعل الخلافات إنما تلقي بشعوبها وقوداً لأتون النار التي تأكل الضعفاء وتذر القادرة كما رأينا في موقع الحكم يتلاعبون ويمكرون.
-ثالثاً: إن السعودية ونظامها لا يفكر سوى بالحفاظ على الواقع القائم وممارسة السلطة والنفوذ في المنطقة بعد الفراغ الذي نتج عن حرب الخليج، وإن نظرة في سلوك علاقات السعودية الخارجية لا سيما الخليجية يجعل المراقب يخرج بنتيجة واحدة وهي الميل إلى المهادنة وإنهاء الخلافات الخارجية بصورة هادئة والحرص على التضامن الهش وحل الخلافات بواسطة دفتر الشيكات، وأن السعودية تسعى للهدنة لا سيما مع جاراتها...
إن السعودية لا تسعى في هذه المرحلة إلى فتح جبهات جديدة للصراع؛ فالوضع الدقيق والتحديات الداخلية والخارجية تكبح توجهاً كهذا، خصوصاً أن السعودية تريد أن تظهر بصورة «الأخ الأكبر » في مجلس 71 التعاون، وتسعى لبقائه ولو دعائياً.
-رابعاً: إن معالجة المشكلة إعلامياً أثبتت فشل الطرفين في إقناع الناس في البلدين بصحة المعلومات، فلا التكتيم وبتر الحقائق وتصريحات النفي التي تتقنها الماكينة الإعلامية السعودية المتورمة، ولا التصعيد والتهويل الذي مارسته قطر بأسلوب السينما الأمريكية كان قادراً على إقناع الجمهور الباحث عن الحقيقة بوجهة نظر أي من الطرفين،... وهكذا ظل أسلوب الشائعات والتعلق بأخبار لندن أو مونتي كارلو السبيل الوحيد لقطاع عريض من اللاهثين وراء معرفة الحقيقة المجردة...
-خامساً: انعكس أسلوب الحكم في البلدين على طريقة معالجة الأزمة، فكما هو متوقع هرع المسؤولون الخليجيون إلى الرياض والدوحة في محاولة للتوسط، بينما سارعت البحرين إلى إعلان انحيازها إلى الجانب السعودي!! ولم تقنع تصريحات هؤلاء المسؤولين المتفائلة أحداً، لأن الحل ظل يدور في حلقة مفرغة هي حلقة الحكام وإطار المؤسسات الرسمية التي لا يثق أي مسؤول فيها بنيات نده وصنوه، أما المؤسسات الشعبية والأهلية التي تعبر عن تلاحم الشعوب ومصالحها فظلت غائبة أو مغيبة لأن «مجالس الشورى » ومشتقاتها لا تملك من أمرها شيئاً والسماح للمؤسسات الشعبية محظور في هذين البلدين مما أضعف جانب الضغط الشعبي الذي ينبغي في هذه الظروف أن يسعى إلى إزالة الحساسيات وأسباب الخلاف، وهو دور يقوم به المصلحون والشخصيات المستقلة.
-وأخيراً أثبتت إيران (مرة أخرى) أنها تسعى للتمدد وإيجاد موطئ قدم على الساحل الغربي للخليج، واستغلت الفرصة أيما استغلال، وأثبتت أنها لا تبالي لا بالسعودية ولا بغيرها حتى في مراحل «التسخين الدبلوماسي» الذي يرمي إلى تحسين العلاقات بين البلدين..
أما ما تقوم به قطر من محاولة لجر إيران في نزاعها مع السعودية فهو أمر 72 غاية في الخطورة وربما لا تظهر نتائجه المفزعة إلا بعد حين، فالتغلغل الإيراني في إمارات الخليج قائم وبخطى سريعة وربما محا التركيبة السكانية والعقائدية لهذه الكيانات الضعيفة فسكان حي من طهران يعادلون سكان قطر مضروباً بعشرة!! وقيادات المشيخات لا تفكر بالآثار البعيدة المدى وهي للأسف لا تفكر سوى في اللحظة الماثلة، ولا تفهم من أبجديات السياسة سوى المكر والخديعة ودفع الدولارات لشراء الولاء أو صد الأعداء.. لقد كان مضحكاً حقاً أن تعيد الدوحة علاقتها بصدام وتشيد به متناسية «إعلام الهجاء» والقذف الذي مارسته بحقه حتى قبل أيام قليلة من الأزمة التي ضخمت وكأن السياسة والعلاقات الدولية هي شوط في سباق هجن يراهن على بعير حيناً وسرعان ما يستبدل ببعير آخر!!.
لقد عبر مواطن خليجي عن مخاوفه قائلاً: «تذهب الخفوس ولا تعبث الرافضة بالدين والنفوس ».73